خالد عزب

سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون فى السبعينيات

الأحد، 19 أبريل 2026 11:11 ص


صدر في مصر العديد من الكتب عن أديب مصر نجيب محفوظ وأدبه ، وعدد قليل منها لديه طرح جديد يستحق القراءة، ومنها كتاب الدكتورة أمل الجمل (سينما نجيب محفوظ والشهود المحترفون في السبيعينيات) صدر عن المرايا للثقافة والفنون، وتنطلق المؤلفه من أنه  إذا كان نجيب محفوظ في أكثر من حوار كان قد التمس العذر لهجوم النقاد على أفلام بعينها، وطالما أنه انتقد السينما في أكثر من موضع، فكيف ولماذا يأتي، لاحقاً، في عام 1972، وبعدها بسنوات قليلة، لينفي وجود النقد السينمائي السليم؟! وهذا الموقف جعل المؤلفه تتساءل:

هل كان النقد السينمائي مبالغاً في أحكامه؟! هل كان منفصلا عن الفن وعن الجماهير آنذاك؟ أم كيف كانت حالته؟! وما هى العوامل الإجتماعية والظروف السياسية التي ساهمت في تشكيلة على تلك الصورة، إن وُجدت؟!

وفي رأي الناقد سمير فريد إذا  كان «الناقد شاهد محترف، بإمكانه توفير مفتاح العمل الفني كما لا يستطيع الآخرون» فهذا يجعل المؤلفه  تتساءل: هل يمكن للناقد أن يكون شاهداً محترفاً، ويفقد القدرة على التأثير ولا يكون له أي وزن في عالم السينما؟ بمعنى آخرفي رأي المؤلفه؛ هل هناك فجوة ما بين رؤية نجيب محفوظ للنقد السينمائي في مصر، وبين تعريف سمير فريد للناقد ودوره؟!. إنهما اثنين من بين تساؤلات عديدة حاول الكتاب الإجابة عنها علي مدار صفحات الكتاب.

لإنجاز هذه الدراسة تطلب الأمرمن الدكتورة أمل الجمل إعادة مشاهدة تلك الأعمال، وتأملها من خلال المنهج السيميولوجي بالتضافر مع المنهج المقارن، وقراءة بعض الروايات أحياناً، مع مراعاة الإطار التاريخي للأفلام، وتأمل كيف استقبلتها الأقلام النقدية؟ لمعرفة إلي أي حد تم تحريف أو تشويه الأفكار بتلك الأفلام؟ هل تم الاهتمام بالمعالجة الفنية وعناصر اللغة السينمائية؟! وهل كان الاختلاف النقدي لتلك الأفلام يُعد تفسير فني خلاق للعمل الفيلمي؟! وهل كان ذلك لصالح العمل السينمائي أم ضده؟! من ثم يمكن تقييم أسلوب النقاد والصحفيين؟! وتحديد منهجهم في الكتابة؟! وهل أسفر ذلك عن اتجاهات نقدية في السينما المصرية؟!  .

أنتجت السينما المصرية في الفترة من 1970 وحتي عام 1979 نحو 457 فيلماً روائياً طويلاً. هذا بالطبع بخلاف الأفلام القصيرة والتسجيلية، ومن دون إضافة ثلاثة أفلام آخرى هى: «ميرامار» المنتج عام 1969 و«بين القصرين» المنتج عام 1964، و«قصر الشوق» المنتج عام 1967، الذين أضفتهم للعينة البحثية في مرحلة متقدمة من الدراسة، لأسباب سأوضحها لاحقاً، أما أعلي سنة إنتاج خلال عقد السبعينيات كانت 1978 حيث بلغ عدد الأفلام خمسون فيلما، وكانت أقل سنة إنتاج في العام التالي حيث انخفض الرقم إلي ثمانية وثلاثين فيلماً فقط، بينما تراوح العدد في السنوات الآخري ما بين 47، 46، 43، 41، 45، 49.

لضيق مساحة الدراسة، ولضخامة عدد الأفلام - 457 فيلماً - حيث يصعب  تحليلها جميعا في دراسة واحدة، إذ تحتاج إلي مجلدات. كذلك، مما يُصعب المهمة أيضاً تعدد وتنوع المقالات الصحفية والنقدية التي كُتبت من حول الـ 457 فيلماً، لذلك قررت المؤلفة الاكتفاء باختيار عينة بحثية أستطيع من خلالها تحديد أنواع الإتجاهات النقدية التي كانت موجودة في السينما المصرية خلال ذلك العقد، إن وُجدت.

فقررت أن تكون العينة البحثية هي المقالات - كل المقالات، حتي الصحفي منها وكذلك الحوارات - التي تناولت بالنقد والتحليل الأعمال السينمائية المقتبسة عن روايات نجيب محفوظ، وكذلك تلك التي شارك محفوظ في كتابة القصة، أو السيناريو والحوار لها، خلال ذلك العقد، والتي تبلغ ثلاثة عشر فيلماً سينمائياً منها فيلم «توحيدة» 1976 الذي كتب له محفوظ الإعداد السينمائي لكني لم أجد عنه مقالاً واحداً، وبالتالي أسقطته من العينة، لكني أضفت للعينة الأفلام الثلاثة التي استحضرتها من العقد السابق لُيصبح الإجمالي 15 فيلما.

مبررات عدم الالتزام بالحقبة بصرامة

هنا، وعلي مدار الكتاب بأكمله، لم تلتزم المؤلفة بالفترة التاريخية، أي عقد السبعينيات، بدقة أو تزمت، مثلما شاهدت فيلمين آخرين خارج أعمال نجيب محفوظ، لعدة أسباب؛ الأول: أنه فيما يخص الأجيال والعقود ولا تعتقد المؤلفة  أن الموضوع مُقسم أو مفصول بحواجز وجدران طابعها الحدة والصرامة، لأنه في فترة السبعينيات سنجد جيلاً كان قد بدأ مشواره في الكتابة منذ منتصف الستينيات، ثم تبلور مشروعه النقدي في السبعينيات، مما جعلني أسمح لنفسي - من باب الضرورة التي فرضها استخدامي للمنهج المقارن - أن ألجأ إلي الفلاش باك أو الفلاش فورورد، أحياناً، لتتبع مسار وتطور هذا الناقد أو ذاك، وتأمل أهم ما يُميز ملامح مشروعه النقدي. 

الأمر الثاني: بعض النقاد البارزين في مسيرة النقد المصري - والذين ظهروا علي الساحة منذ منتصف الستينيات والذين كانت لهم إسهامات متتالية خلال حقبة السبعينات وحتي السنوات الآخيرة لم يكتبوا مثلاً عن فيلم «ميرامار»، - أو أفلام نجيب محفوظ الآخرى التي بداخل العينة الزمنية - لأسباب غير معلنة في حينها، ولم أجد مبررا لهذا التجاهل، وفي تقديري أن البعض لأسباب تتعلق بموقفهم الإيديولوجي فضلوا تفادي الكتابة عن الفيلم، ومواجهته بالصمت، بينما كتب البعض الآخر من النقاد باستعلاء وفي فترة تاريخية لاحقة، أو من دون تحليل سينمائى لفنيات العمل ولغته السينمائية، ونظرا لمتابعتي لأسلوب بعض هؤلاء الكتاب ومعرفتي بمستوى تحليلهم - خصوصاً إذا كانوا مؤثرين وفاعلين ليس فقط في مسيرة النقد ولكن أيضاً في مسيرة السينما المصرية، لذلك كان من الظلم في رأي المؤلفة أن تكتفي بالمقالات القليلة لهم كما حدث مثلاً مع كمال رمزي الذي بدأ مسيرته منذ منتصف الستينيات بالتزامن مع سمير فريد، لكنه لم يكتب عن أفلام تلك العينة بينما وجدت له المؤلفه مقالاً عن أحد أفلام منتصف الستينيات.

أما مشاهدة فيلمين خارج عينة أفلام نجيب محفوظ فكان سببها اكتشافها أن علي أبو شادي لم يكتب النقد السينمائي باستمرار إلا في عقد الثمانينات بدعم من سمير فريد، إذ لم يكن مؤثراً ولا معروفاً كناقد خلال حقبة السبعينيات، فوجدت له مقالين فقط بتلك الفترة كتبهما - بتشجيع من رأفت الميهي - عن أفلام آخرى بعيدة عن عينة البحث ولا علاقة لها بسينما نجيب محفوظ فقامت المؤلفة بتحليلهما .

كذلك وجدت أنه من الظلم ألا تعود إلي مشروعه النقدي الذي كوَّنه لاحقاً، خصوصا عندما كانت تجد مدخلاً مناسباً لذلك في مقالات آخري له تتناول أعمال مقتبسة عن نجيب محفوظ خلال تلك الحقبة - التي يتناولها الكتاب - حتى لو تم النشر بعيداً عن تاريخ العينة البحثية بسنوات، مع تحديد ذلك ومقارنته بكتابات حقبة السبعينات، لمعرفة هل حدث تبدل في التوجه النقدي؟ وإن اقتصر النقد الأيديولوجي على حقبة السبعينيات فأيهم كان أكثر تقدما مع مرور السنوات؟ وأيهم كان أكثر التزاما بالنقد المنهجي وتحليل وتقييم اللغة السينمائية للعمل الإبداعي؟

من ذلك المنطلق، تُصبح الدراسة - بالكتاب ككل - في كثير من فصولها تجمع بين عرض وتحليل وتفسير وتقييم النقد الذي استقبل كل فيلم سينمائي من أفلام العينة البحثية، مروراً إلي تأمل وتحليل وتقييم المنهج النقدي لعدد من نقادنا، بسبب مواقفهم ورؤاهم النقدية لذلك الفيلم موضوع الدراسة، ومنه أنطلق لمشروع بعضهم النقدي ودراسته مما يستلزم أحياناً العودة فلاش باك لتحديد التطور من دون التخلي عن المنهج المقارن بالتوازي مع مناهج آخري لمعرفة كيف كانت البداية وملامح المشروع ومميزاته عن الآخرين.

ثالثاً: أما السبب الجوهري الذي يرجع إليه عدم التزام المؤلفة بصرامة بالفترة التاريخية التي اختارتها المؤلفة للبحث، ل فيلم  مثل فيلم «ميرامار» الذي يُعد مادة أساسية بهذا الكتاب شعرت المؤلفة بضرورة تناوله وتحليل وتقييم ما كُتب عنه من نقد لعدة أسباب حتي لو اضطرني ذلك إلي العودة بضعة أشهر عن الإطار الزمني المحدد للدراسة، وتحديداً الثلث الأخير من عام 1969.

ترجع الأسباب لأنها: وجدت نحو أربعة مقالات لكُتاب من خارج الوسط النقدي السينمائي كتبوا رأيهم عن فيلم «ميرامار» خلال العام 1970، منهم اثنين علي الأقل من كتاب كبار يتمتعون بمكانة وتاريخ فكري وأدبي مهم في مجال الإبداع والنقد وهما أحمد عبد المعطي حجازي، وصبري حافظ.

مثلما حسم الأمر، عثورها علي دراسة مقارنة شديدة الأهمية وتكاد تكون متفردة بين كل ما كُتب من نقد سينمائي خلال تلك الحقبة منسوبة للمخرج والناقد السينمائي هاشم النحاس عن نفس الفيلم كانت قد صدرت بكتاب عام 1975، مما كان يحتم عليَّها الارتداد الزمني قليلاً - حيث تم بدأ عرض الفيلم يوم 13 أكتوبر عام 1969 - وتلك العودة كانت تستلزم البحث عن كتابات نقاد السينما الآخرين ورؤيتهم لذلك الفيلم الذي أُثير من حوله جدل كبير، بحثاً عن معرفة كيف تمت قراءة الفيلم وكيف استقبلوه آنذاك؟! وهل كان هناك اتجاه نقدي ما، أو تحليل نقدي منهجي؟! وما هي سماته إن وُجدت؟!

الكتاب بعد كل هذا يجعلنا نعيد بناء تاريخ النقد السينمائي في مصر، ويوجهنا إلي اعادة بناء طرق تلقي السينما كفن في مصر، ومن هنا تكمن أهميتة ، وبالتالي ستحول مع الزمن لمرجع لا غني عنه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة

إيران.. هل حان وقت المراجعة

الأحد، 12 أبريل 2026 11:39 ص

الرجوع الى أعلى الصفحة