أخبئ في صدري حكايات مثقلة، وأمشي كأن الصمت صار ردائي، فإذا باحت الكلمات خف وجيعي، وإن كتمت صار قلبي بلائي.
عزيزي القارئ، هذه ليست مقالة، ولكنها روشتة طبيب يجمع بين العلم والخبرة الحياتية. فنجد الألم صامتا لا يرى ولا يسمع، لكنه يثقل الروح شيئا فشيئا. نحمل ما لا يقال، ونجيد التماسك حتى نظن أن الصمت قوة، بينما الحقيقة عكس ذلك؛ فهو بداية الانتكاسة الحياتية. ونسأل أنفسنا: لم نخلق لنكون مخازن للألم، ولا سجونا لمشاعرنا.
وهنا نحاول أن نجد وسيلة للتعبير عما بداخلنا في عصر يضج بالصوت، لكنه يفتقر إلى السمع. تتراكم علينا ضغوط الحياة والمسؤوليات، وتتحول صدورنا إلى مخازن سرية للأحزان والمخاوف. وفي وسط هذا الضجيج ننسى شيئا بسيطا، ولكن تأثيره كبير، هو «البوح» أو ما نسميه باللغة العامية «الفضفضة». فالفضفضة ليست مجرد كلام فارغ أو ثرثرة، بل هي عملية حيوية للصحة النفسية والعاطفية؛ فعندما نخرج ما في صدورنا، نتخلص من ثقل التوتر، ونعيد التوازن الى حياتنا.
عزيزي القارئ، الفضفضة ليست ضعفا، بل وسيلة للنجاة لنتحرر من قيد المشاعر المكبوتة التي تغير الزجاج الحياتي المطموس المعالم، فلا نرى حقيقة ما حولنا، وعلى الأقل حقيقة من نتعامل معه. وفي النهاية يكون القرار مشوشا وخاطئا، وأنت الوحيد الذي يحاسب على الفاتورة.
فلماذا نتحمل القرار الخاطئ وندفع فاتورته؟ نعم، فمشاركة الحمل مع شخص آخر بمثابة تحديث لميكنة الجسد؛ فعندما نتكلم نرتب أفكارنا، ونرى الأمور بوضوح أكبر، ونجد حلولا لما نمر به. ومن ناحية أخرى، أكدت الدراسات أن الكبت يضعف جهاز المناعة، بينما الفضفضة تقويه؛ لأن الروح حين تهدأ يهدأ الجسد معها، فضلا عن بناء جسور من الثقة والحب بيننا وبين الآخرين، ويشعرنا أننا لسنا وحدنا في هذا العالم.
متابعي الكريم، أنا لا أتكلم عن آليات ترتيب المشاعر الإيجابية، فنحن حصيلة خبرة حياتية تجمع بين الدين والعمل، وتتدرج العلاقات الإنسانية من نجاح وفشل وثقة وخذلان. نعم، لست أنا من أوصى بثقافة الفضفضة، ولم يكن البوح يوما غريبا عن روح الانسان؛ فقد جسد النبي يعقوب عليه السلام أصدق معانيه حين قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فكانت الشكوى هنا بوحا صادقا لا تذمرا، بل يقينا.
وفي الإنجيل دعوة واضحة: تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، وفي المزامير صوت يعلو الى الله طلبا للرحمة، وكأن كل الطرق تؤكد أن البوح ليس ضعفا، بل بابا للراحة. والشعراء وأشعارهم كانت بمثابة مرآة لما نشعر به؛ فمن جهة نجد أن الإمام الشافعي يربط بين البوح والصديق، والمتنبي يعترف بثقل المشاعر إن كتمت أو قيلت، وإيليا ابو ماضي يدعونا ألا نغرق في الشكوى وحدها، بل نرى الحياة ايضا. وكأن البوح ليس فقط أخراج الألم، بل إعادة التوازن للنفس.
وهنا لا اخفي عليك، عزيزي القارئ، انه في ظل هذا العالم الرقمي، الذي تحول كل شيء فيه الى ثمن يقاس ويقدر ماديا، يجب ان ندرك جيدا حقيقة ان ليس كل شخص مناسبا لان نبوح له. فهناك من يسمع ليحكم، ومن يسمع لينقل، ومن يسمع دون ان يفهم؛ لذلك نحن نحتاج لمن ينصت بصدق، لا يقاطعنا، لا يقلل من مشاعرنا، ولا يحول حديثنا الى حكم او نصيحة سريعة. نحتاج شخصا يحفظ ما نقول كأنه أمانة؛ لأن الفضفضة بدون أمان قد تتحول إلى عبء جديد بدل ان تكون راحة.
الامر الذي دفع الاعلام ليلعب دورا يحسب له في نشر الوعي باهمية الصحة النفسية، ويشجع الناس على التعبير، لكنه في احيان كثيرة يرسم صورة غير حقيقية للحياة؛ صورة انسان قوي دائما لا يضعف، فيزيد شعورنا بالوحدة. ونجد ان وسائل التواصل الاجتماعي اعطتنا مساحة للكلام، لكنها في الوقت نفسه سحبت منا الامان، فاصبح البوح احيانا في المكان الخطأ ومع الاشخاص الخطأ. وقد شاهدنا الكثير من فقراء الضمائر الانسانية واعمال الاستغلال والخراب. ما أحوجنا إلى البوح في عالم يسعى إلى الصمت، بل الخرس.
وأكرر: الفضفضة ليست ضعفا، بل نوع من الطبطبة على القلوب؛ لنشعرها ان لنا اناسا واهلا وصحبة وبيتا، نخصب بها ارادتنا لاستكمال مسيرة الحياة، وان هناك غدا لابد ان نحياه، بل ونخرج منه فائزين؛ لانه يستحق ذلك، فهو منحة من الخالق عز وجل، ورب الخير لا يأتي الا بالخير، وخاصة في زمن تكنولوجيا المشاعر والحسابات الرقمية، حيث يجيد فيه الجميع الادعاء بالقوة. فتبقى الشجاعة الحقيقية في لحظة صدق واحدة، حين تقول ما بداخلك دون تزييف، حتى ولو لنفسك؛ تنقذك من صمت كفيل بتدميرك وانت لا تشعر.
وكعهدكم بي، فهناك حل اخر لا يقل اهمية عن الفضفضة مع الاخرين، وهو الكتابة. فالكتابة ليست مجرد حروف تسطر، بل هي فضاء امن نفرغ فيه ما لا نستطيع قوله. حين نكتب، نواجه انفسنا بصدق، نرتب افكارنا، ونفهم مشاعرنا دون خوف من حكم او رفض. احيانا تكون الورقة اكثر امانا من اي انسان، واكثر رحمة من اي رد فعل. فربما يكون القلم هو الصديق الاول الذي لا يخون، ولا يحكم، ولا يغادرنا في منتصف الكلام.
فالحل، من وجهة نظري، لا يتوقف عند الفضفضة ولا عند الكتابة فقط، بل هناك حل ثالث لا يقل اهمية عنهما، وهو علاقتنا بهذا العالم الرقمي، او ما نختصره جميعا في كلمة واحدة: «الانترنت». فكما نحتاج ان نتكلم ونكتب لنفرغ ما بداخلنا، نحتاج ايضا ان نتوقف قليلا، ان نغلق هذا الزحام الالكتروني، ان نبتعد عن الضجيج الافتراضي الذي يملأ عقولنا دون ان نشعر.
ان نجرب يوما بلا إنترنت، يوما نعود فيه للواقع الحقيقي، للوجوه التي نحبها، للأصوات التي تطمئننا، للحديث الذي لا تسرقه شاشة ولا تقطعه إشعارات. فنكتشف وقتها ان كثيرا مما نظنه ضرورة ليس إلا ضجيجا، وأن الراحة الحقيقية أحيانا تبدأ عندما نصمت عن العالم كله لنسمع أنفسنا، وأن الجلوس مع من نحب للاستماع دون انشغال يعيد إلينا بساطة الحياة وصدقها.
ونطلق على هذا اليوم: «عيد الأهل»، لأن لقاء الأحبة عيد.