جريمة اختطاف الطفلة الرضيعة من داخل مستشفى الحسين الجامعي في الأسبوع الماضي، ليست الجريمة الأولى التي تقع في مصر من رجل أو سيدة منتقبة، ولن تكون الأخيرة التي ترتكب من متهمين يرتدون النقاب أو يتسترون ويتخفون تحته لارتكاب جرائمهم.
جرائم عديدة توثقها سجلات الأمن تم ارتكابها باستخدام النقاب، سواء من رجل أو سيدة، ومنها جرائم تعرف في العرف الأمني بالجرائم الخطيرة والمقلقة لأمن المجتمع.. وأتمنى لو خرجت وزارة الداخلية بإحصاء يتضمن تلك الجرائم خلال العام الأخير فقط.
الحادثة الأخيرة تجعلنا نتساءل عن الأصل في الشريعة ومقاصدها..؟ أمن وحماية المجتمع والحفاظ على هويته أم اتباع "عادة وليست عبادة" ولا أصل لها في الدين، ثم السكوت عنها والتغاضي عن جرائمها، تحسبا لتيار أماطت الوثائق العربية والأميركية مؤخرا أنه تم الإنفاق عليه مليارات الدولارات في السبعينيات لتشويه هوية المجتمع المصري، وتشويه ثقافته ووجدانه وصورته بأزياء غريبة عنه وبأفكار شاذة أحدث انقساما مجتمعيا وفكريا منذ السبعينيات وحتى الآن.
الحادثة لا تنسينا أن نوجه التحية والتقدير على المجهود الأمني الكبير لأجهزة الأمن بوزارة الداخلية للوصول إلى الخاطفة المنتقبة، رغم محاولاتها التحايل على كاميرات المراقبة بالمستشفى وفي الشوارع المؤدية إلى مدينة بدر. وهو ما يجعلنا نطالب بتطوير آليات المتابعة والمراقبة الأمنية، بتوظيف التكنولوجيا الحديثة التي أثبتت نجاحها في التصدي للجريمة الأخيرة والعديد من الجرائم. فالإنفاق على التكنولوجيا الآن يقي المجتمع من جرائم كثيرة أو الحد منها في المستقبل.
جرائم النقاب لن تنتهي، وإجراءات التفتيش للزائرين والمترددين على المصالح العامة والحكومية في المستشفيات والجامعات والوزارات الخدمية لن تمنع وحدها أية جريمة تحدث تحت النقاب. والقضية يجب حسمها وفقا لفقة الأولويات واستنادا على الشرع ونصوص القرآن الكريم ذاته، وهذا مسألة خاصة بأهل الذكر من علماء الدين.
لكن نتذكر ما أوردته كتب السيرة عن موقف الخليفة الفاروق العادل عمر بن الخطاب في إدارة الأزمة في عام الجوع «الرمادة» عندما أمر بوقف حد السرقة بسبب شدة الجوع وعجز الناس عن الحصول على الطعام، والغاية هي الحفاظ على الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.
ونستدعي أيضا مقولة الإمام محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر الأسبق والمجدد "أتي لي بما ينفع الناس آتي لك به بسند من الشرع" اعتمادا على "ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" والتي هي جزء من آية قرآنية كريمة في سورة الرعد. وكان هنا الإمام المراغي يدعو للإصلاح، والاعتماد على العمل والإنتاج بدلاً من مجرد الأقوال. والنفع هنا للمجتمع في حمايته من ارتكاب الجرائم باسم النقاب الذي من الضرورة حسم الموقف منه دينيا، حتى يتسنى للدولة والحكومة بصورة خاصة إصدار قرار حاسم بمنع استخدامه في المصالح العامة.
وأعجبني ما صرح به الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، بإن النقاب يعد "عادة مباحة" تدخل في نطاق الحرية الشخصية للمرأة، مستشهدًا برأي الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي وصفه بأنه "ليس مفروضا ولا مرفوضا"، موضحًا أن معنى ذلك أنه لا يعد واجبًا ولا سنة، وفي الوقت ذاته لا يُمنع عمن ترغب في ارتدائه.
فالقاعدة الفقهية تنص على أن "لولي الأمر تقييد المباح"، وهو ما يمنحه الحق في منع ارتدائه داخل المنشآت العامة إذا اقتضت المصلحة ذلك، وهذا المنع لا يعد حرامًا، مع الإشارة إلى أن القول بوجوبه أو كونه سنة هو "عك" يروج له الفكر السلفي، فالمصلحة الحالية تقتضي حظر ارتداء النقاب في المنشآت العامة مع بقاء الحرية للمرأة في ارتدائه بالشارع أو في بيتها.
ولا يمكن السماح باستغلال قضية النقاب للمتاجرة والمزايدة على حساب المصلحة العامة للمجتمع وأمنه وهويته واستغلال عدم معرفة الكثيرات من مرتديات النقاب في الريف والأحياء الشعبية بكنهه أو أحكامه، انطلاقا من أرضية "التوظيف السياسي" لتعزيز نفوذ تيارات دينية معينة داخل المجتمع. وكما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم".
لا أطالب بالمنع المطلق فالدستور يضمن حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، إلا أن التطبيق يفرض توازناً مع متطلبات الأمن. كما يؤكد على ذلك خبراء القانون الدستوري.
القضية تحتاج إلى نقاش هادئ وواع وقرارات وقوانين حاسمة تراعي المصالح العليا لمصر والأمن القومي والحفاظ على الهوية الوطنية.