عزيزي القارئ، في عالم لم تعد فيه الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالعقول والمشاعر، أصبحت “الكلمة” أخطر من الرصاصة، و”المعلومة” قد تكون سلاحًا يُسقط أممًا دون طلقة واحدة. وبين مصطلحين يترددان كثيرًا فالعمليات النفسية والحرب النفسية، يقع خلط شائع، رغم أن الفارق بينهما كبير وعميق ومؤثر في فهم ما يدور حولنا.
عندما يصبح العقل بلا فلتر، تتحول الشائعة إلى حقيقة، والخوف إلى واقع. فالمعركة ليست فقط أن نُحسن الفهم، خاصة في الحرب النفسية التي نتعرض لها اليوم، فـالخطر ليس ما يُقال بل ما نصدقه دون تفكير وما يترتب عليه من نتائج. نحن لا نعيش فقط في عصر المعلومات، بل في عصر توجيه العقول. لذا موضوعنا اليوم هو موضوع الساعة والغد وبعد غد ويمكن ان يكون لاخر العمر.
لا تتعجب، فهناك تسلط على العقول غير مباشر ومن خلال وسائل متعددة الهوية ولأغراض عدة داخلية أو خارجية. لذا فرّق عزيزي المصري بين العمليات النفسية والحرب النفسية كما تفرّق بين البناء والهدم، بين الوعي والانهيار. فالعمليات النفسية هي أنشطة مدروسة ومخططة تُستخدم للتأثير على سلوك واتجاهات فئة محددة، سواء كانت شعوبًا أو جيوشًا أو جماعات.
وهي ليست بالضرورة عدائية دائمًا، فقد تُستخدم في رفع الروح المعنوية ودعم الاستقرار ونشر الوعي، وأهمها تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن. لذا فإن العمليات النفسية هي أداة تأثير قد تكون إيجابية أو سلبية حسب الهدف. على عكس الحروب النفسية، فنجد أنها الوجه الأكثر حدة وخطورة، فهي تستخدم العمليات النفسية في سياق عدائي لإسقاط الخصم معنويًا قبل عسكريًا، وتتمثل في نشر الخوف والذعر وبث الشائعات لتفكيك الثقة في المؤسسات وإضعاف الروح الوطنية. نعم، وقد شددت القيادة السياسية في أكثر من مرة أن “حروب الجيل الرابع تستهدف إسقاط الدول من الداخل دون مواجهة عسكرية مباشرة”، في ظل التحديات التي تمر بها المنطقة، فالشائعات أخطر من الإرهاب، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول. فلم تعد الحدود تحمي الدول بقدر ما يحميها وعي شعوبها.
وهنا يظهر إدراك عميق لطبيعة المرحلة، فلم تكن مصر وحدها من انتبهت لهذا الخطر، بل حذّر العالم من نفس الظاهرة، حيث أشار البعض إلى أن السيطرة على العقول أصبحت أولوية في الصراعات الحديثة، وأن المعلومات المضللة تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. ومن هنا عزيزي المواطن، احذر الفرق بين الهدف من الوسائل المسلطة عليك، واحسب تبعات توجهك لها، ولا تبالِ بمن يصعد سريعًا، فله متطلبات خاصة، ويمكن أن تكون هذه الظاهرة صورة من صور الحرب النفسية. والجهاز الرقابي المعني حال دون ذلك، ولا تبالِ بمن يروّج الشائعة، فهو يرى من منظور ضيق وليس استراتيجيًا، فنحن دولة حماها الله وشعبها. المعركة ليست أن نمنع الكلام، بل أن نُحسن الفهم. ولا تقف في مكانك حتى لا تتحول إلى" روبوت يرتدي قناع انسان " ينفذ دون إدراك. وكعهدكم بي عزيزي المواطن لا تجعل رأيك يُصاغ لك، ولا تسمح لمعلومة أن تقودك دون تمحيص، ولا تمنح الشائعة فرصة أن تتحول إلى يقين داخلك. فالأمم لا تسقط فجأة، بل تُستنزف وعيًا قبل أن تُهزم أرضًا. وفي زمن تتسارع فيه الرسائل أكثر من الحقائق، يبقى الوعي هو المعركة الحقيقية والانتصار فيه لا يُعلن، لكنه يُصنع في العقول أولًا