في مراحل المخاض التي شهدها العالم خلال العقود الماضية، كانت التحولات الكبرى تنتهي في كل مرة بإعادة تشكيل كاملة للنظام الدولي، حتى وإن احتفظت بنفس الأطراف الفاعلة، فمع انتهاء الحرب العالمية، انتقل العالم من تعددية قادتها الإمبراطوريات الأوروبية، إلى ثنائية قطبية تمثلت في صعود الولايات المتحدة ومنافستها مع الاتحاد السوفيتي، بينما أعقب نهاية الحرب الباردة انتقال إلى أحادية شبه مطلقة، وهو ما يثير تساؤلا جوهريا حول طبيعة المخاض الحالي، وما إذا كان سيفضي إلى تحول جذري مماثل، أم إلى صيغة مختلفة تعكس طبيعة الحروب الراهنة، التي ما زالت ملامحها قيد التشكل.
ولعل ارتباط لحظات المخاض التاريخي بالحروب كان يبدو أمرا طبيعيا، في ظل سعي كل طرف إلى إقصاء خصومه وفرض هيمنته على النظام الدولي أو جزء منه، غير أن المفارقة في المرحلة الراهنة تتمثل في غياب هذا الهدف، حيث يبدو أن ثمة توافقا ضمنيا بين الخصوم على عدم الإقصاء، فالقوى الكبرى لا تسعى إلى تغيير جذري قد يهدد توازنات قائمة تخدم هيمنتها، بينما تكتفي الأطراف الأخرى بالصمود والحفاظ على بقائها، باعتبار ذلك شكلا من أشكال الانتصار.
غير أن البعد الأكثر لفتا للنظر لا يكمن فقط في طبيعة العلاقة بين الخصوم، بل في التحول الذي طرأ على العلاقات داخل المعسكر الواحد، حيث لم تعد التحالفات قائمة على الانسجام الكامل، بقدر ما باتت تشهد تنافسا متزايدا بين أطرافها، حتى وإن لم يصل إلى حد المواجهة المباشرة.
وهنا تتجلى المفارقة في أبهى صورها، حيث فقدت الحروب كثيرا من حدتها، رغم أمدها الطويل زمنيا وتمددها الجغرافي الواسع، وتداعياتها الكارثية، بعدما تراجعت أهدافها المرتبطة بالإقصاء الكامل، في حين اكتسبت التحالفات قدرا أكبر من الشراسة، مع تصاعد التنافس داخلها، بما يعكس انتقال مركز الصراع من المواجهة بين الخصوم، إلى إدارة التوازنات داخل الشبكات نفسها.
ويعكس الطرح السابق تحولا أعمق في الهدف من الصراع برمته، فبينما كانت الحروب التي أعادت تشكيل النظام الدولي في السابق تستهدف تنصيب قوى جديدة على قمة الهرم، يبدو أن المشهد الراهن يتجه نحو هدف مختلف، لا يقوم على تغيير موازين القوى بشكل جذري، بقدر ما يرتكز على ضبطها عند مستويات معينة، ففي ظل صراع محسوب بين الخصوم، يقابله تنافس متصاعد بين الحلفاء، يبرز ما يمكن تسميته بـ”إدارة المسافة” بين القوى المتنافسة، حيث لا تسعى الولايات المتحدة إلى الإطاحة بخصومها بقدر ما تعمل على منعهم من تجاوز حدود معينة قد تخل بالتوازن القائم، باعتباره الأكثر قابلية للإدارة من جانبها، بينما تتبنى القوى الأخرى نهجا مماثلا داخل أقاليمها، يقوم على الحفاظ على حضورها وتوسيع هامش نفوذها دون الدخول في مواجهة شاملة مع واشنطن.
وفي هذا السياق، لا يعكس الصراع الدائر محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي بقدر ما يعكس سعيا للحفاظ على هيكله العام، مع إعادة توزيع الأدوار داخله، بما يضمن لكل طرف موقعا يمكن الدفاع عنه، دون الانزلاق إلى صدام شامل قد يعيد تشكيل المعادلة بالكامل.
إذاً لا يدور الصراع الجديد على إعادة تشكيل النظام العالمي، وإنما في "إدارة المسافة" بين القوى، وهو ما أضفى الزخم على المنافسة بين الحلفاء، وهو ما يبدو في المشهد داخل المعسكر الغربي، حيث بات الصعود الأوروبي في صورة الاتحاد تهديدا لمكانة الحليف الأمريكي، وهو ما يحمل مقاربة مع الرؤية التي تتبناها واشنطن تجاه الخصوم، في ظل ما أسفر عنه النفوذ الإيراني من تهديد لإسرائيل، باعتبارها الحليف المدلل أو بالأحرى الوكيل الإقليمي لأمريكا في الشرق الأوسط، لتدور المساعي ليس لإسقاط النظام القائم في طهران، في ضوء ما قد يسفر عنه السقوط الكامل من خلل قد لا يصب في صالح القوى الكبرى، ولكن نحو إضعافه من جانب، وحشد القوى الإقليمية في المنطقة للعمل تحت قيادة تل أبيب، مما يعزز دورها، من جانب آخر.
تلك الحالة التي يشهدها العالم في اللحظة الراهنة، تعكس حقيقة مفادها أن الاستقرار، في رؤية القوى الكبرى، لم يعد نقيضا للصراع، ولكن أصبحت الأخيرة هي أحد أدوات التوازن، شريطة أن تكون محسوبة، ولا يكون الهدف منها إقصاء كامل للخصم في حالة الحروب، أو المنافس في حالة التحالف، وبحيث يقتصر هدفه على الاحتفاظ بمسافة القوة والنفوذ بين أطراف المعادلة الدولية، وهو ما يضمن البقاء على الحالة نفسها لتكون امتدادا للمرحلة السابقة، في حين يبقى صمود الخصوم من شأنه تعزيز مكانتهم باعتباره انتصارا في ذاته، وقدرة الحلفاء على المناورة في مواجهة الحليف القوى، بمثابة السبيل لتعزيز مكانتهم داخل رقعتهم الجغرافية وبالتالي التحرك نحو تقليل المسافة في نطاق زمني معين نحو القمة.
وهنا يمكننا القول بأن الحروب الراهنة، رغم كونها في مرحلة مخاض عالمي، لم تعد تهدف إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بقدر ما أصبح الحفاظ عليه عبر إدارة توازناته الدقيقة، فالصراع لم يعد يدور حول الإطاحة بالآخر، وإنما حول ضبط موقعه داخل المعادلة، بما يضمن بقاءه دون أن يتحول إلى تهديد كاسح، أو شريك مكافئ، ومن ثم، تتحول القوة من أداة للحسم إلى وسيلة للضبط، ويغدو الاستقرار نتاجا لصراع محسوب، لا غيابه. وفي هذه المعادلة، لا يقاس النجاح بقدرة طرف على إقصاء خصمه، بقدر ما يقاس بقدرته على التحكم في "المسافة" التي تفصله عنه، بما يسمح له بالحفاظ على موقعه، ومنع الآخرين من تجاوزه، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تعيد صياغة النظام من جديد.
إقرأ أيضا
إدارة تكلفة الصراع.. تحولات في مفهوم الوساطة الدولية
الفصل الجغرافي.. الأرض من مسرح عمليات إلى إعادة تشكيل الدولة
معركة الرواية.. من يكتب المشهد الأخير في سيناريو الحرب؟
إدارة التماهيات.. شعرة معاوية بين كلفة الحسم ووهم الانتصار
"إدارة نتائج الحرب".. والبحث عن "إنجاز قابل للبيع"