داء السكر من النوع الثاني لا يظهر فجأة في فحص مخبري نتيجة ارتفاعًا في نسبة السكر في الدم، ولكن الحقيقة أبطأ وأكثر هدوءً وتعقيدًا، حيث يبدأ الجسم بالتغير قبل سنوات من ظهور أي تشخيص للمرض، وهذه التغيرات طفيفة لا تُثير القلق، لكنها تُعيد تشكيل طريقة تعامل الجسم مع الطاقة والغذاء وحتى التوتر بشكل تدريجي، وفقًا لتقرير موقع "تايمز أوف انديا".
لهذا السبب يشعر الكثيرون بأن هناك خللًا ما قبل وقت طويل من تشخيص إصابتهم بالسكري، حيث يبدأ التمثيل الغذائي بفقدان توازنه، عندما يتوقف الأنسولين عن العمل بشكل جيد في الوقت الذى تبدو فيه مستويات السكر في الدم طبيعية، وهذا ما يجعل هذه المرحلة سهلة التغاضي عنها.
ويقول الأطباء إن معظم الناس يعتقدون أن داء السكري من النوع الثاني يبدأ بارتفاع مستويات السكر في الدم، ولكن في الواقع، يبدأ المرض بصمت لسنوات أو حتى عقود قبل التشخيص، ويحدث عند مقاومة الأنسولين، حيث تتوقف خلايا الجسم عن الاستجابة للأنسولين، وهو الهرمون المسئول عن نقل السكر من الدم إلى الخلايا لتوفير الطاقة، بمعنى أن الجسم يستمر في إنتاج الأنسولين، لكن الخلايا تتوقف عن الاستجابة له.
عندما يعمل البنكرياس فوق طاقته
للحفاظ على مستويات السكر في الدم ضمن المعدل الطبيعي، يبذل البنكرياس جهدًا أكبر، إذ يُنتج كمية من الأنسولين تفوق المعتاد، وخلال هذه المرحلة، قد يكون مستوى السكر في الدم طبيعيًا، وذلك لأن البنكرياس يُجهد نفسه ويُنتج المزيد من الأنسولين للتحكم في مستويات السكر، وغالبًا ما يتم تجاهل هذه المرحلة عند إجراء الفحوصات الروتينية، مع أنها مؤشر على وجود إجهاد أيضي، وتُسمى هذه الحالة فرط الأنسولين في الدم، ولا يتم فحصها عادةً في الفحوصات الروتينية، لكنها تُشير إلى أن الجسم مُعرض بالفعل للإجهاد.
عندما تبدأ الأعضاء بالتصرف بشكل مختلف
بمرور الوقت، ينتشر هذا الخلل في جميع أنحاء الجسم، لأنه على المدى الطويل، يُشكل هذا الإنتاج المستمر للأنسولين، فرط الأنسولين في الدم، ضغطًا على الجسم، ويؤدي في النهاية إلى مقاومة الأنسولين، وفي الوقت نفسه، تحدث تغيرات أيضية أعمق، حيث تصبح العضلات أقل كفاءة في استخدام الجلوكوز، ويبدأ الكبد في إفراز كمية من السكر تفوق الحاجة، وتبدأ الخلايا الدهنية في تراكم الطاقة الزائدة وإطلاق مواد كيميائية مُسببة للالتهاب.
هنا يتحول الأمر من مجرد مشكلة سكر بسيطة إلى اضطراب أيضي كامل، ويبدأ الكبد والعضلات والأنسجة الدهنية في الخلل في التواصل فيما بينها.
لماذا يسهل تجاهل الأعراض؟
يعرف الأطباء هذه المرحلة بالصامتة، لأنها قد لا تُلاحظ في مراحلها المبكرة، وقد يعاني البعض من أعراض أكثر خفاءً، مثل الشعور بالتعب بعد تناول الطعام، أو زيادة الوزن في منطقة البطن، أو الشعور بالجوع الشديد، ولكن يمكن تجاهل هذه الأعراض بسهولة أو ربطها بعادات نمط الحياة، وقد يشعر الشخص أيضًا بالخمول والنعاس خاصة بعد الوجبات، أو يلاحظ تراكم الدهون العنيدة في منطقة البطن، أو زيادة الشهية لتناول الطعام، ولا يبدو أي من هذه الأعراض كمرض، لكنها إشارات مبكرة تدل على أن الجسم يعاني.
ما تقوله الأبحاث
أكدت دراسات واسعة النطاق أن داء السكري يتطور ببطء مع مرور الوقت، ويوضح المعهد الهندى للصحة أن مقاومة الأنسولين قد تبدأ قبل التشخيص بـ10 إلى 15 سنة، ويشير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، إلى أن مقدمات السكري غالبًا لا تظهر عليها أعراض واضحة، ومع ذلك فهي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتؤكد هذه النتائج فكرة أساسية هي أن داء السكري ليس مفاجئًا، بل يتطور ببطء عبر سنوات من الإجهاد الأيضي.
ما الذي يسبب هذه التغيرات الأيضية المبكرة؟
نادراً ما يكون هناك سبب واحد، بل تتضافر عدة عوامل على النحو التالى:
- الإفراط في تناول الكربوهيدرات المكررة والأطعمة الغنية بالسكريات.
- الجلوس لفترات طويلة وقلة النشاط البدني.
- قلة النوم وعدم انتظام الروتين اليومي.
- الإجهاد المزمن الذي يؤثر على الهرمونات.
- الاستعداد الوراثي المقترن بنمط الحياة الحديث.
يقول الأطباء إن داء السكري من النوع الثاني ليس مرضًا حادًا أو مفاجئًا، بل هو نتيجة لاضطراب أيضي مزمن، والجانب الإيجابي هو أنه يمكن الشفاء في المرحلة الأولية من خلال تحسين حساسية الأنسولين عن طريق إجراء تعديلات مناسبة في نمط الحياة، مثل ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وتجنب التوتر، مما يمنع أو يؤخر الإصابة بالسكري، لذلك يُعد الوعي المبكر أقوى سلاح للحفاظ على الصحة على المدى الطويل.