تكلمنا في المقالات السابقة عن إشكاليات الهوية المصرية، وتناولنا علاقات مصر الأفريقية والآسيوية وعالم البحر المتوسط، وفي مقال اليوم نحاول إلقاء الضوء على جانب مهم من جوانب الهوية المصرية، وهو الإطلالة على البحر الأحمر وعالمه.
ونبدأ بالحديث عن البحر الأحمر، فهو أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، وذلك نظرًا لدوره المهم في ربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط عبر قناة السويس.
وفي العصر الحديث تمر معظم تجارة العالم في الطاقة وغيرها من خلاله، كما أن له أهمية جيوسياسية لكونه أكثر الطرق بين آسيا وأوروبا، مما يجعله غير قابل للاستبدال بمسارات بديلة، دون تكلفة اقتصادية وسياسية باهظة.
وربما ترجع أهمية البحر الأحمر لكونه ذا طبيعة شبه مغلقة، ففي الجنوب منطقة اختناق في باب المندب، وفي الشمال منطقة أخرى تتمثل في قناة السويس، وتمثل هاتان النقطتان ما يعرف باسم نقاط التحكم في الملاحة الدولية، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن أي اضطراب في باب المندب أو قناة السويس يؤدي مباشرة إلى تداعيات شديدة الخطورة على حركة التجارة العالمية، والمثير للدهشة أن مصر كانت تسيطر وتؤمّن باب المندب وقناة السويس بنفس الدرجة تاريخيًا.
وربما لم يغب عن صانع القرار المصري عبر التاريخ أن جنوب البحر الأحمر شديد الخطورة على أمن مصر القومي، ففي العصور القديمة كان أى تهديد لباب المندب وخليج عدن يؤثر مباشرة على التجارة المارة عبر مصر.
وفي العصر الحديث، وبعد حفر قناة السويس فإن أي اضطراب في باب المندب يؤدي مباشرة لتهديد حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، ومن هنا أصبح البحر الأحمر ساحة تنافس على النفوذ بدلًا من كونه ممرًا دوليًا آمنًا، وهنا أصبح أمن البحر الأحمر جزءًا أصيلًا من الأمن القومي المصري الشامل، وليس مجرد قضية تتعلق بحماية الملاحة البحرية.
وإذا حاولنا الرجوع إلى التاريخ المصري القديم لوجدنا أن البحر الأحمر كان عنوانًا للتاريخ القديم في مصر، وأن قراءة التاريخ القديم في مجمله الحضاري والإقتصادي والديني لمعظم الشعوب المطلة على البحر الأحمر، لن تكون قراءة صحيحة إذ لم تستمد مصادرها من ضفاف هذا البحر العظيم، ويتجاوز طول البحر الأحمر 2000 كم من قناة السويس حتى مضيق باب المندب ويبلغ عرضه 355 كم وتعددت أسماؤه عبر التاريخ.
فعرف أيام الإغريق باسم البحر الإريتري أو بحر سوف في التوراة وبحر القلزم عند العرب والبحر الفرعونى عند ابن جبير، ومن أسمائه أيضًا بحر السويس عند ابن خلدون وعند آخرين كان اسمه بحر عيذاب أو بحر جدة.
كما سمى المصري القديم الطريق الذي يؤدي إلى البحر الأحمر باسم طريق (الآلهة)، وذكر بعض علماء الآثار أن المصريين القدماء ربما جاءوا من الشرق أو من الجنوب واستخدموا البحر الأحمر ونهر النيل في الوصول إلى وادي النيل.
وأعطى المفكر المصري جمال حمدان أهمية كبرى للبحر الأحمر، خاصة فيما عرف باسم وادي الحمامات، وهو على طريق قنا القصير، وهذا الطريق لعب دورًا مهمًا في توجه مصر الإقليمي سواء لآسيا أو عالم البحر الأحمر، وإذا كانت للحدود الشرقية المصرية أهمية، فإن هذا البحر الممتد 1941 كم على مجمل السواحل المصرية كانت له أهمية قصوى في التاريخ المصري القديم، وكانت علاقات مصر بالفينيقيين والجزيرة العربية والحبشة من العوامل الأساسية لتدعيم مصالح مصر الإقليمية، وكانت السفن المصرية تجوب هذا البحر في رحلات متعددة في اتجاه بلاد بونت التي ربما كانت تقع في القرن الأفريقي أو منطقة الصومال الحالية أو على شواطئ الجزيرة العربية.
وكانت هناك ترسانة بحرية لصناعة السفن في خليج السويس، وكانت هذه السفن تسيطر على البحر الأحمر جنوبه وشماله، وكان هناك تعاون بحري، خاصة فيما يتعلق بصناعة السفن بين مصر القديمة وفينيقيا، بل وكانت هناك سفن مشتركة بينهم تجوب البحار للتجارة والحراسة، بل وصلت هذه السفن من البحر الأحمر إلى رأس الرجاء الصالح ثم إلى جبل طارق ثم العودة إلى مصر مرة أخرى.
ويروى في المصادر التاريخية أن ملك مصر سنوسرت الثالث قد حفر قناة تعرف باسمه تصل البحر الأحمر بالنيل، والبعض الآخر يعتقد أن من قام بهذا العمل هو نخاو الثاني الذي لم يكد يبدأ العمل حتى توفي، ومما يؤكد أهمية هذا البحر إرسال الملك نخاو الثانى ثلاث سفن كبيرة لتجوب البحر الأحمر لمعرفة واكتشاف السواحل الأفريقية المطلة عليه. وفيما بعد باشر العمل في شق القناة داريوس أو داره الأول، ولكنه أوقف العمل نتيجه لتصور خاطئ تمامًا، إذ أقنعوه بأن مستوى البحر الأحمر أعلى من مصر وأنه إذا حفر القناة، فإن البحر الأحمر سيغرق مصر كلها.
وأشار إلى هذه القناة كل من هيرودوت واسترابون وديودر الصقلي، والأخير كتب عن القناة المائية الواصلة بين نهر النيل والبحر الأحمر، وجاء في حديثه "إن الإله أوزوريس وصل إلى تخوم الحبشة وضبط مياه النيل بإقامة السدود على جانبيه، ثم واصل سيره بمحاذاة ساحل البحر الأحمر مخترقًا بلاد العرب حتى وصل إلى الهند، وأنشأ فيها مدنا كثيرة، وخلّف وراءه شواهد كثيرة في طول البلاد وعرضها، مما جعل الهنود يعتقدون بأن هذا الإله من أصل هندي".
أما عن ذكر البحر الأحمر في الكتب السماوية السابقة على الإسلام، فنجد أن اسمه كان بحر سوف في سفر (الخروج)، ويرد اسم البحر الأحمر مرات عديدة في سفر (العدد)، ومن ضمن الأسفار التي تتناول نصوصها البحر الأحمر سفر (التثنية) و(يشوع) و(صموئيل) و(نحميا) و(أشعيا)، وجاء أيضًا في المزمور 66 (تعالوا انظروا أعمال الله ما أرهب صناعه للبشر حول البحر إلى يابس وبالأرجل عبر آباؤنا النار).
وفي العهد الجديد وفي أعمال الرسل، إن موسى الذي أنكره شعبه وقالوا له من جعلك رئيسا وقاضيا علينا هو الذي أرسله الله رئيسا ومخلصا بمعونة الملاك الذي ظهر له فأخرج شعبه من مصر، بما صنعه من العجائب والآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر.
وظل البحر الأحمر ميدانا للصراعات الدولية التي نشبت في القرن السادس الميلادي بين الروم والأحباش ومملكة حمير اليمنية وللبحر الأحمر، وفي السير الشعبية العربية مكانة كبرى، خاصة ما يتعلق بسيرة "سيف ابن ذي اليزن" وكيف استعان بالفرس ضد الأحباش، بعد أن خذله الروم، وأنه استطاع وابنه دحر الاحتلال الحبشي لبلاد اليمن.
كما ارتبط البحر الأحمر بفجر الدعوة الإسلامية، حيث هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة بعد أن عبروا البحر الأحمر، أما في العصور الإسلامية فنجد أن حكام مصر من الطولونيين، ومن بعدهم الدولة الفاطمية قاموا بالتصدي للأطماع الأجنبية في البحر الأحمر، بل واعتبروا جنوب البحر الأحمر خطًّا أحمر للأمن القومي المصري.
وبلغ هذا الاهتمام بالبحر الأحمر منتهاه حينما تصدى سلاطين الدولة المملوكية للأطماع الأوروبية، متمثلة في البرتغال التي حاولت السيطرة على البحر الأحمر، وخاصة بعد إخراج العرب من الأندلس، وكان صراعًا مريرًا خاضته الجيوش المصرية لحماية منافذ البحر الأحمر الجنوبية، بل وتعدى نضال الجيش المصري البحر الأحمر إلى المحيط الهندي.
وكان الغرض هو منع الإضرار بمصالح مصر التجارية والأمنية، ويقال إن السلطان الغوري سلطان مصر قد أرسل حوالي 50 سفينة لبناء سور حول ميناء جدة، وتآمر حكام البرتغال مع ملك الحبشة وأعوانهم، وكذلك ملك فرنسا لإعداد حملة عسكرية ضد مصر في ذلك الوقت، ولكن الأسطول المصري الموجود في جدة تصدى لهم، فهربوا نحو الجنوب ثم إلى سواحل الهند وتعقب الأسطول المصري البرتغاليين، واشتبك معهم بالقرب من السواحل الهندية.
ويبدو أن الأطماع في البحر الأحمر وتهديد الوجود المصري فيه قد شارك فيها أيضًا الإنجليز والهولنديين الذين استغلوا ضعف الدولة العثمانية، التي كانت في ذلك الوقت تسيطر على مصر بعد سقوط دولة المماليك، الأمر الذي أدى إلى توغل الإنجليز وتوسعهم على حساب الوجود المصري في جنوب البحر الأحمر وفي الخليج وتركز الوجود الإنجليزي في ميناء عدن التي احتلها الإنجليز عام 1838، واحتلت إنجلترا مصر 1882 والسودان عام 1898 لتفرض سيطرتها على مناطق النفوذ المصري في البحر الأحمر.
في هذه الأثناء احتلت إيطاليا ميناء عصب في إريتريا سنة 1882، ثم ميناء مصوع، ثم احتلت الحبشة، وذلك قبيل الحرب العالمية الثانية، كما احتلت فرنسا ميناء أوبوك في جيبوتي عام 1884 ثم الصومال الذي أطلقت عليه اسم الصومال الفرنسي.
وعلى الرغم من الحروب التي خاضها الجيش المصري في عصر محمد علي للدفاع عن مصالح مصر كقوة محلية إلا أنه كان يواجه من قبل قوى عالمية تحالفت ضده للحد من نفوذه وتحجيم هذه القوة الإقليمية المتمثلة في مصر.
كما أن حملة نابليون بونابرت لم تخرج عن فكره التنافس الدولي على السيطرة على طرق التجارة العالمية، وخاصة طرق التجارة الواصلة إلى شبه القارة الهندية من خلال مصر والبحر الأحمر، على أن الأطماع الفرنسية ما لبثت أن أخذت شكلًا مختلفًا، بعد أن نجحت في الحصول على الموافقة على مشروع حفر قناة السويس، وعلى الرغم من أن الإنجليز سعوا إلى إنشاء قناة بديلة عرفت باسم ترعة حيفا، ولكن المشروع فشل.
وبعد حفر قناة السويس اشتد الصراع الدولي حول البحر الأحمر، وقامت ثورة 23 يوليو سنة 1952 في مصر، واستطاعت هذه الثورة أن تحدد المجالات الإقليمية لحدود مصر وأمنها القومي، واستطاعت أيضًا أن تحرر مصر من المحتل الأجنبي، وتعيد إليها حقوقها المسلوبة ونفوذها الإقليمي في عالم البحر الأحمر، فكان لا بد على حكام مصر بعد الثورة أن يطردوا المحتل الإنجليزي، ليس من مصر وحدها، ولكن من كل جوانب البحر الأحمر، وأعادوا أيضًا إلى مصر ملكية قناة السويس أهم شريان مائي تجاري في العالم.
وأعقب ذلك بطبيعة الحال عدوانًا ثلاثيًا على مصر، انتهى هذا العدوان بانتصار مصر، وخروج آخر آثار الاحتلال الإنجليزي عليها، بل وبلوروا دورًا للشخصية المصرية كدولة إقليمية كبرى لها مصالحها الخاصة وأمنها القومي، وبدأ صانع القرار المصري يطارد الاحتلال الإنجليزي في اليمن، وخاصة في خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، واستطاعت مصر مساندة كل حركات التحرر في القرن الأفريقي، وتصدت مصر لكل الأحلاف العسكرية، خاصة حلف بغداد الذي عُرف في بادئ الأمر بحلف الشرق الأوسط، ونتيجة للضغوط المصرية السياسية انسحبت العراق من الحلف، ولعبت مصر دورها المحتوم في تحذير البلاد العربية المطلة على البحر الأحمر من الدخول إلى أي نوع من أنواع الأحلاف الاستعمارية أو العسكرية، وخطورة ذلك على مصالحها.
والواقع أن بلاد اليمن كانت إحدى المفاتيح الجيوسياسية الأساسية للأمن المصري في جنوب البحر الأحمر، نظرًا لموقع اليمن على مضيق باب المندب، ومن ثم فإن عدم الاستقرار في هذه المنطقة كان بالنسبة لمصر ليس شأنًا داخليًا يمنيًا بقدر ما هو يمثل تأثيرًا على الأمن القومي والإقليمي المصري، ولذلك قامت مصر بمساندة اليمن حينما قامت بثورة ضد الحكم الإمامي، وأعلنت الجمهورية بل وصلت هذه المساعدة إلى حد الدعم العسكري لحماية هذه الثورة الوليدة.
مما دفع القوى الدولية إلى التآمر على مصر والعدوان عليها في سنة 1967، الأمر الذي جعل مصر تسحب جيوشها من جنوب البحر الأحمر من بلاد اليمن للاستعداد لمعركة جديدة ضد العدوان الذي وقع عليها من قبل إسرائيل، ولم تخرج الجيوش المصرية من بلاد اليمن إلا بعد أن اطمأنت مصر على استقرار الأوضاع فيها.
على أن حرب أكتوبر 1973 أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن وجود مصر كقوة إقليمية في باب المندب في جنوب البحر الأحمر هو أمر في غاية الأهمية لها عسكريًا ولتأمين الملاحة في قناة السويس، أو على الأقل أن تكون مصر مطمئنة إلى القوى المسيطرة على هذه المنطقة، وهو ما تمثل في التحالف مع بلاد اليمن وبعض أقاليم القرن الأفريقي المطلة على هذا المضيق، على أنه من أخطر التحولات التي حدثت في هذه المنطقة كان اندلاع الأزمة في بلاد اليمن وانهيار السلطة المركزية، وبدأ الصراع الداخلي اليمني بين جماعة الحوثي في الشمال وبقية القوى السياسية.
الأمر الذي أدى إلى إنتاج الانقسامات الداخلية في صورة أكثر حدة وتحول الصراع الداخلي في اليمن إلى صراع متعدد الأبعاد، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا مباشرة على أمن البحر الأحمر، إذ أضعف هذا الانقسام وهذه الحرب الأهلية قدرة اليمن على تأمين سواحله وجزره، وفتح المجال أمام تدويل الصراع البحري في جنوب البحر الأحمر وهدد الملاحة، وبدا أن هناك بوادر إنشاء ترتيبات أمنية بديلة انعكست ولا شك على النفوذ الاقليمي والأمن القومي المصري، حيث حوّل انهيار الحكومة المركزية في اليمن وتراجع قدراتها حول ذلك كله السواحل والجزر اليمنية إلى فراغ أمني وعسكري قابل للملأ من قبل قوى خارجية تسعى لتعظيم نفوذها في أحد أهم الممرات الملاحية العالمية.
وأدى هذا الواقع إلى تهديد مباشر لمبدأ حرية الملاحة في البحر الأحمر، كما هدد أيضًا المرور في قناة السويس، مما يسمح بفرض قواعد أمنية واقتصادية غير معلنة، وهو ما ينعكس سلبًا بطبيعة الحال على استقرار جنوب البحر الأحمر وأمن قناة السويس، وشكل الوجود العسكري الأجنبي في الجزر والموانئ اليمنية توازنات قوة جديدة في البحر الأحمر، مما أدى إلى أن صانع القرار المصري كان عليه أن يدرك هذه المعطيات الجديدة ضمن أي تقييم استراتيجي شامل للأمن الأقليمي المصري.
ولم يكن الصراع في جنوب البحر الأحمر بعيدًا عن الصراع في القرن الأفريقي، إذ إن القرن الأفريقي ليس مجرد نطاق جغرافي مجاور للبحر الأحمر، بل قد أصبح في ظل التداخل المتزايد للقوى الأجنبية في المنطقة، كل ذلك جعل القرن الأفريقي ساحة مفتوحة للتنافس بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى ترسيخ نفوذها عبر السيطرة على السواحل والموانئ ونقاط الارتكاز القريبة من الممرات البحرية الحيوية.
ولعل علاقة مصر بدولة الصومال هي علاقة استراتيجية محورية في هذه المعادلة، وذلك بفضل الامتداد الساحلي الطويل على خليج عدن والمحيط الهندي وقربه المباشر من باب المندب، ونتيجة لذلك اهتم صانع القرار المصري بإعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية في جنوب البحر الأحمر ليضمن أمن الملاحة وتوازن القوى الإقليمية.
كما كانت لعلاقة مصر بإريتريا أيضًا عنصرًا مهمًا في معادلة القوى بحكم موقعها الممتد على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وما يتيح ذلك من قدرة على المراقبة والتأثير في حركة الملاحة.
كما أن جيبوتي تمثل نموذجًا لتدويل الأمن في القرن الأفريقي، إذ تستضيف عددا كبيرا من القواعد العسكرية الأجنبية مستفيدة من موقعها عند مدخل باب المندب، ولا يمكن فصل هذه التطورات كلها عن الأمن القومي المصري، نظرًا للارتباط العضوي بين استقرار جنوب البحر الأحمر وسلامة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس.
ورأت مصر أن أي اختلال في موازين القوى أو انتشار غير منضبط لأي نفوذ عسكري أجنبي في القرن الأفريقي ينعكس مباشرة على المصالح المصرية الحيوية، ومن ثم يفرض هذا الواقع على مصر تبني سياسة شاملة تتجاوز البعد البحري إلى الأبعاد السياسية والأمنية الأوسع.
وتؤكد هذه الحركة المصرية أن القرن الأفريقي هو ساحة مركزية في معادلة الأمن القومي المصري، وليس مكانًا بعيدًا جغرافيًا عن مصر.
كما أن العلاقة الأبدية والخالدة مع السودان تمثل أيضًا إحدى العوامل المحورية في معادلة الأمن البحري للبحر الأحمر، نظرًا لامتداده الساحلي الذي يربط بين شمال البحر الأحمر وجنوبه ويمنحه موقعًا استراتيجيًا مؤثرًا في حركة الملاحة المتجهة نحو قناة السويس، وهذا ما دفع مصر إلى الاهتمام بإعادة الدولة السودانية إلى طبيعتها كقوة مركزية تتحكم في أجزاء السودان المختلفة، خاصة تلك الأجزاء التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على الأمن القومي المصري.
وإن كان عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي أضعف قدرة الدولة السودانية على فرض سيادتها وتأمين سواحلها، قد أوجد بلا شك فراغًا استراتيجيًا حاولت بعض القوى الإقليمية استغلاله وربطه بصراعات البحر الأحمر الأوسع انتشارًا وتنبهت مصر إلى خطورة هذا المسار بالنسبة للأمن القومي المصري، خاصة لأنه يمثل تهديدات مباشرة، وغير مباشرة للممرات المؤدية إلى قناة السويس، وحاولت مصر بكافة قدراتها الحفاظ على توازنات جنوب البحر الأحمر وضبط الأمن الإقليمي عليه، وكان السودان يمثل حلقة مركزية مهمة بالنسبة لمصر فيما يتعلق بمنظومة أمن البحر الأحمر.
ويتكامل هذا التهديد مع أبعاد جديدة يمثلها تهديد آخر على نهر النيل مصدر الحياة الرئيسية للدولة المصرية، وفي هذا السياق تكتسب قضايا بناء سد النهضة أبعادًا تتجاوز الإطار الفني والتنموي لتصبح جزءًا من محاولات الضغط الاستراتيجي على أمن مصر في البحر الأحمر أيضًا، وكأنه تطويق مزدوج لدور مصر ومصالحها.
وتثبت الأيام أن محاولة الضغط السياسي والدبلوماسي على مصر لتقييد دورها لن ينجح في ظل الحكمة والقوة المصرية الناعمة والنشاط الدبلوماسي لمصر في المحافل الدولية، وتبني رؤية شاملة للسياسة المصرية تجمع بين حماية مصالحها على البحر الأحمر وتأمين نهر النيل، على أن قدرة الدبلوماسية المصرية فى إدارة هذه الملفات اعتمادًا على استقرار الدولة ومنع الإضرار بمصالحها الحيوية.
وهكذا نرى أن البحر الأحمر شكّل بالنسبة لمصر بوابة غاية في الأهمية لأمنها القومي، ومن هنا كان لا بد لصانع القرار المصري أن يتعامل ويدير هذا الصراع في هذه المنطقة الحساسة من العالم بحسابات دقيقة، وأن يحافظ على الأمن القومي المصري والمصالح المصرية بوعي مسنود بجغرافية مصر وموقعها وتاريخها المتراكم في الانتصار على الأزمات التي تفتعلها قوى إقليمية مستغلة هشاشة الأوضاع في دول جوار مصر في البحر الأحمر، وهكذا كان الإنسان المصري وعبر التاريخ واعيًا للأخطار التي تتهدده مدركًا لمصالحه وأمنه القومي، وشكّل ذلك كله جزءًا مهمًا من هويته المصرية.
(يتبع)