تثار بين الحين والآخر مشكلة الهوية، أو ما يعتقد أنها مشكلة؟! والواقع أن هناك العديد من الدراسات حول الشخصية المصرية وهوية مصر.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: لماذا "مصر" هي التي يثار حولها هذا السؤال، بينما يحيطها من الجنوب والشرق والغرب شعوب أخرى لم يشغل أحد نفسه بالبحث في هوية هذه الشعوب أو التحدث حول شخصيتها؟
ولعل بداية هذه المشكلة كانت مع بداية القرن العشرين أو مطلع العصر الحديث، وهي الفترة التي ترددت فيها بقوة عبارة "من نحن" كمصريين، بل ولا أبالغ إن قلت إن سؤال الهوية وإشكاليتها فرض نفسه بقوة على مفردات الحياة في مصر. وإذا حاولنا تفسير بعض ما يثار حول الهوية المصرية، لوجدنا ضرورة الغوص في أعماق التاريخ المصري، وكذلك ضرورة دراسة جغرافية مصر سواء من حيث الموقع أو السكان، ومن البداية نقرر أن السؤال صعب، والإجابة عنه أكثر صعوبة.
والبداية تكمن في أن "مصر" هي أول كل شيء وبداية كل شيء، وأن مصر كانت موجودة قبل أن يبدأ التاريخ، بل عبر أحد المؤرخين عن ذلك بأن مصر هي "ضمير الإنسانية". فإن المصري أول من تصدى للإجابات الصعبة للبشرية حول حقيقة الوجود، والحياة بعد الموت، والبعث والحساب. أي حينما كان يسود العالم حياة لا معنى لها، كان الإنسان في مصر يتأمل ويعطي تفسيرات وجودية.
ففي مصر كانت أولى الديانات، ومن هنا فإن مصطلحات مثل الدين أو الأخلاق أو الخير أو الشر نبعت من الفكر المصري، بل تعدى المصري ذلك إلى تفسير منطقي للملائكة والشياطين.
كل هذه المصطلحات خرجت من رحم الشخصية المصرية في مرحلة مبكرة للغاية من التاريخ الإنساني، وفي هذه المرحلة اكتشف الإنسان المصري أن هناك فرقا بينه وبين الكائنات الأخرى.
وفي الوقت الذي اختلط فيه المفهوم في بقاع وعوالم أخرى، اكتشف الإنسان المصري أنه كائن يتعايش مع أمثاله وفقًا لتعاون تحكمه الرغبة في البقاء والاستمرار، لا عدوان بل حب وتعاون وإخاء.
عاش في مصر أنبياء الله ورسله وقديسون ونساك، وهكذا بدأت الهوية ببداية الحياة البشرية. جاء إليها من جاء، وخرج منها من خرج. ولم تكن مصر أم الدنيا فحسب، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، ولكنها كانت الدنيا التي بحث عنها كل البشر في كل عصر من العصور التاريخية. أتاها الغزاة في العصور القديمة فتمصروا، وأتاها المغامرون في مطلع العصر الحديث فبهرتهم وتعلقوا بحبها، بل رفض بعضهم المغادرة. تعطي من دخل إليها قيمة كبرى لم يكن يحلم بها.
عبر عن ذلك الفرنسي "شامبليون" مفسر رموز اللغة المصرية القديمة بقوله: "أنا شامبليون المصري"، وقبله ارتدى "الإسكندر الأكبر" رداء المصري وتشبه به، بل وبنى المعابد تقربا للآلهة المصرية، تاركا وراءه آلهة بلاده. وعشق "عمرو بن العاص" ترابها، وحلم بها، وظل يناور حتى دخلها فاتحا حاملا معه معالم ثقافة ولغة جديدة، وتمصر رافضا أن يخرج منها مهما كانت المغريات، ومات ودفن فيها.
وإذا كانت الشخصية المصرية لا حدود لها، فإن جغرافية مصر لا تقتصر على موقعها، بل تعدته إلى حدود أبعد بكثير من هذا الموقع، بل وعبر بعض الكُتاب عن ذلك بمبالغة شديدة، حيث قال أحد الفرنسيين إن مصر تبدأ من ميدان الكونكورد، حيث تقع المسلة المصرية في هذا الميدان.
إن جغرافية مصر، التي تبدأ من ساحل المتوسط شمالًا إلى الشلالات جنوبًا، ومن حدودها المترامية في الغرب إلى شبه جزيرة سيناء في الشرق، هي مجرد عاصمة لثقافة كبرى امتدت إلى ما بعد برقة، بل ووجدنا ثقافتها مدونة على الصخور في صحراء الجزائر. بل لا نبالغ إن قلنا إن مصر الثقافية وصلت إلى إقليم شنقيط على المحيط الأطلنطي، وسميت الكثير من المناطق في إسبانيا والبرتغال باسم "مصر"، لأن من سكنها من العرب كانوا من مصر.
أما حدودها الجنوبية فهي تمتد مع النيل العظيم، ولا نبالغ إن قلنا إن الشواهد الأثرية الموجودة على طول النيل من منبعه هي من بناء المصريين.
و"مصر" كلمة بسيطة عميقة المعنى، صعبة التفسير كمصطلح. عبر عنها الرحالة "ابن خلدون" بقوله حينما زار مصر: "رأيت فيها مجمع الدنيا ومحشر الأمم". وهي جحيم لمن عاداها وأراد بها شرا، تجهده وتجاهده حتى تنتصر عليه. كما عبر عن ذلك "يوليوس قيصر" بقوله: "لن أبقى في هذا الجحيم لحظة أكثر مما ينبغي"، وعبر "نابليون بونابرت" بقوله: "أي نار هذه".
وتفتح ذراعيها لكل محب لها، وقد عبّر "الإسكندر الأكبر" عن ذلك بقوله: "أي جنة هذه التي أرى"، وقال عنها "عمرو بن العاص": "مصر شجرة خضراء"، أما "صلاح الدين الأيوبي" فقال عنها: "هذا بلد لا يخرج منه إلا مجنون". عشقها "أحمد بن طولون وأسرته" فاستوطنها واستقل بها، وكذلك فعل "محمد بن طغج الإخشيد".
وجاء إليها "المماليك" من كل صوب في العالم فتمصروا، ورفضوا أي صفة لهم سوى أنهم مصريون، بل بنوا وأسرفوا في بناء أضرحة عظيمة حتى لا يخرجهم من مصر أحد بعد موتهم، وتشهد بذلك المنشآت الجنائزية الخاصة بالمماليك التي تمتلئ بها القاهرة القديمة.
وصنعت "مصر" لكل من دخلها تاريخا وأعطته قيمة كبرى لم يكن يحلم بها.
لم تكن "مصر" بقعة جغرافية من العالم لها تاريخها بقدر ما كانت حالة نادرة في تاريخ البشرية، يتوقف عندها الإنسان في دهشة دون أن يستطيع تفسيرها، أو إيجاد تفسير لهذا الكيان الهائل من الثقافة والحضارة المتراكمة.
وإذا حاولنا أن نفسر الموقع، لوجدنا أن هذا الموقع شكل مشكلة لكل من حكم مصر، فإن مصر دولة محورية لها تأثيرها البالغ فيما حولها، بنفس القدر الذي يجعلها تتأثر بالمحيط الإقليمي لها.
إن مصر جزء من أفريقيا، وفي الوقت نفسه جزء من آسيا، وترتبط عضويا بشعوب البحر المتوسط وشعوب البحر الأحمر، كما يربطها رباطا مصيريا بحوض النيل، الذي من خلاله تعمقت مصر في عمق القارة الأفريقية. فمصر، وإن كانت أفريقية المولد، فهي آسيوية الهوى، عاشقة للبحر، مؤثرة فيه ومتأثرة به. هذه هي الأبعاد الثلاثة الكبرى التي كوّنت التاريخ المصري في مختلف العصور، ولم يستطع حاكم من حكام مصر أن يهمل أحد هذه الأبعاد، فإهمال مصر لبعد من هذه الأبعاد يجلب مباشرة البلاء والتهديد لها.
وقد يزيد اهتمام مصر ببعد من هذه الأبعاد في مرحلة تاريخية معينة، ثم ما تلبث أن توازن اهتمامها وعلاقاتها بالمحيط الجغرافي. كما نجد أن محور الحياة على الأراضي المصرية لا يتوازن إلا بتوازن هذه العلاقات، والحضارة والثقافة المصرية ما هي إلا نتاج لهذه التوازنات سواء في العصور القديمة أو الحديثة.
وإذا حاولنا تفسير هذه الأبعاد وفهم العلاقة بينها وبين الهوية المصرية، لوجدنا أن مصر، كما قلنا، وُلدت في أفريقيا، وإن شغلتها آسيا وأخذت جزءا من اهتمامها عبر التاريخ، وذلك لأن الأخطار الكبرى جاءت لمصر من الشرق في معظم الأحوال.
على أن مصر حرصت على علاقاتها الأفريقية واعتبرتها جزءا من الهوية المصرية، فمن أفريقيا جاءت هجرات متصلة إلى مصر، سواء من القرن الأفريقي وما يجاور باب المندب، أو من وسط أفريقيا عبر نهر النيل، وكأنهم ساروا مع النيل من منبعه إلى مصبه. كما ارتبطت مصر بعلاقات مع شعوب غرب وشمال أفريقيا، كما أشارت إلى ذلك النقوش والنصوص المصرية القديمة، واختلطت هذه الشعوب مع أهل مصر، بل وجاء منهم أسر حكمت مصر.
وكانت حدود مصر الغربية مرنة متغيرة تصل إلى ما بعد إقليم برقة، الذي كان جزءا من مصر طيلة فترة البطالمة والرومان، بل ولا أبالغ إن قلت العصور الإسلامية أيضا، وإن كانت أخطار الشرق سببا في الانصراف المؤقت عن الاهتمام بحدود مصر الغربية.
ولا تزال حركة القبائل المصرية في هذه المنطقة تتجاوز الحدود السياسية، في تصاهر ونسب بينهم وبين الجوار في الغرب من مصر، بل لا نبالغ إن قلنا إن إسلام أهل شمال أفريقيا وثقافتهم العربية مصرية النشأة، مما يعكس تشابهًا في الطقوس والمذاهب الدينية بين هذه المناطق وسكان مصر.
ويمكن أن نقول الأمر نفسه عن إسلام السودان الذي دخل إليها من مصر، وربط هذا الإسلام بين مصر والسودان، كما ربط بينهما نهر النيل. ولا تزال حتى الآن الروابط الحضارية والثقافية بين مصر وهذه البلدان، سواء السودان أو تونس والمغرب والجزائر وليبيا، واضحة وظاهرة في معظم نواحي الحياة.
وظلت مصر معبرا لهؤلاء في طريقهم للحج وعودتهم منه، بل واستقر الكثير منهم في مصر وفضلوا الإقامة فيها عن العودة إلى مسقط رأسهم. وربما كان انفعال مصر في العصر الحديث بما يحدث في شمال أفريقيا وتأييدها لحركات التحرر بها أكبر دليل على استمرارية العلاقة التاريخية بين مصر وتلك المناطق.
والأمر نفسه يتعلق بجنوب مصر والقرن الأفريقي، حيث أدخلت مصر المسيحية إلى الحبشة، إذ حمل هذه الديانة رجال الدين من مصر وأسسوا الكنيسة الحبشية، وكذلك فعلوا مع الإسلام، حيث نشروا الإسلام بين القبائل الحبشية أيضا.
وهكذا كانت أفريقيا جزءا من الحياة اليومية للمصريين. حقا قد لا يكون بنفس درجة الحياة اليومية في بلدان أفريقيا الأخرى، ولكنه جزء مهم لا يمكن القفز عليه أو تجاهله. (يتبع).
--------
أ.د. محمود إبراهيم حسين
أستاذ الآثار والفنون الإسلامية ورئيس قسم الآثار الإسلامية الأسبق بكلية الآثار جامعة القاهرة