امتزج التفاؤل والارتباك عندما ألمح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى أن إنهاء الحرب في إيران بات وشيكاً، رغم أن العديد من تصريحاته قوبلت بصمت أو همسات معارضة من طهران، وفقا لصحيفة "ذا هيل" الأمريكية.
واعتبرت الصحيفة أن الحرب وصلت إلى منعطف حاسم، بعد سبعة أسابيع من اندلاعها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن مسارها الجديد يكتنفه الغموض. فلا يوجد اتفاق سلام فعلي، ولا تزال نقاط الخلاف الرئيسية بعيدة عن الحل.
صعوبة فى التنبؤ من يفز فى الصراع
وقالت إن الوضع إذا بقى على هذا النحو، فسيستحيل التنبؤ بأي طرف سيحقق نصرا استراتيجيا في صراعٍ خلّف سلسلة من التداعيات.
وألحقت الحرب أضراراً جسيمة بالجيش الإيراني، ولا سيما قواته البحرية والجوية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 3000 إيراني.
كما أودى بحياة 13 جنديًا أمريكيًا، وكلف دافعي الضرائب الأمريكيين ما يقارب مليار دولار يوميًا، وأحدث اضطرابًا في أسواق المال والطاقة، ووفر غطاءً لغزو إسرائيلي جديد للبنان أسفر عن مقتل أكثر من 2000 شخص، وعمّق الانقسامات بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين.
اتفاق ملموس حول موضوع واحد: مضيق هرمز
والآن، قد يكون هذا الصراع على وشك الانتهاء - أو ربما لا، وفقا للصحيفة التى أضافت أن هناك اتفاق ملموس على موضوع واحد فقط: إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي بشكل كبير. وحتى كتابة هذا الموضوع كانت هناك تصريحات متناقضة حول إعادة فتحه.
ويُعدّ هذا الممر الملاحي، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس نفط العالم في الظروف العادية، قضية محورية في هذا الصراع. وقد مارست إيران سيطرة فعلية على المضيق لرفع أسعار النفط.
وجاءت أولى الأخبار عن إعادة فتح المضيق في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبيل الساعة التاسعة صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة.
واستشهد عراقجي باتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان الذي دخل حيز التنفيذ في اليوم السابق - وهو اتفاق طالبت به إيران - وكتب أن مضيق هرمز "مفتوح بالكامل" طوال فترة وقف إطلاق النار الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وبعد واحد وعشرين دقيقة، رحب ترامب بالخبر عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال".
وكانت نبرته، في تلك الرسالة ورسالة أطول تلتها، حماسية. لكنه، وفقًا لمعاييره، كبح جماح أي تباهٍ أو انتصار - وهو نهج قد يعكس حساسية المفاوضات الجارية.
وأعاد ترامب في رسالته الأولى التأكيد على إعادة فتح المضيق، وأرفقها بعبارة "شكرًا لكم!".
أما رسالته الثانية، فقد حملت في طياتها أملًا في التوصل إلى اتفاق أكثر استدامة - ولكن بشرط.
قال ترامب إن الحصار الأمريكي على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية سيظل قائماً في الوقت الراهن.
لكنه أضاف أن هذا الوضع سيستمر "إلى حين إتمام اتفاقنا مع إيران بنسبة 100%. ومن المتوقع أن تتم هذه العملية بسرعة كبيرة، إذ تم التفاوض على معظم النقاط بالفعل".
موجة من التفاؤل فى الأسواق
كان هذا التحول الإيجابي كافياً لإثارة موجة من التفاؤل في وول ستريت، حيث افتتحت الأسواق بعد لحظات من منشور ترامب الثاني على وسائل التواصل الاجتماعي.
وبحلول وقت الإغلاق، ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بأكثر من 800 نقطة، أي بنسبة 1.8%. وحذت المؤشرات الرئيسية الأخرى حذوه. في الوقت نفسه، انخفض سعر النفط بشكل حاد بنحو 9%.
لكن بعد ذلك، يصبح الوضع أكثر تعقيداً، رغم أن هناك دافع واضح لدى كلا الجانبين للتوصل إلى سلام دائم.
لماذا يريد الإيرانيون وترامب إنهاء الحرب؟
ويريد الإيرانيون رفع الحصار العسكري الأمريكي والإسرائيلي عن أراضيهم، والبدء في إصلاح الأضرار التي لحقت باقتصادهم وبنيتهم التحتية.
كما يرغب ترامب في خفض أسعار البنزين للأمريكيين وتجنب التورط أكثر في صراع آخر في الشرق الأوسط. ويتوق زملاؤه الجمهوريون إلى تحويل الأنظار عن حرب لا تحظى بشعبية واسعة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي بعد أقل من سبعة أشهر.
لكن أي اتفاق سلام طويل الأمد يجب أن يوضح مستقبل برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، ومخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. ويُقدّر أن الجمهورية الإسلامية تمتلك حوالي 970 رطلاً من هذه المادة.
كما يجب أن يوضح الاتفاق كيفية سير حركة الشحن عبر مضيق هرمز على المدى البعيد.
وقد أدلى ترامب بسلسلة من التصريحات العامة حول هذه المواضيع يوم الجمعة، سواء على وسائل التواصل الاجتماعي أو في مكالمات هاتفية مع الصحفيين.
وأشار ترامب خلال مؤتمراته الصحفية إلى أن إيران التزمت بوقف تخصيب اليورانيوم. وفي منشورات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، كتب أن إيران "تزيل جميع الألغام البحرية" وأنها "وافقت على عدم إغلاق مضيق هرمز مجدداً".
لم يُقدّم الرئيس أي دليل يدعم هذه الادعاءات، وقد نفت مصادر إيرانية العديد منها.
نقلت وكالة رويترز، عن مسئول إيراني رفيع المستوى لم تُفصح عن اسمه، قوله إنه "لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن تفاصيل القضايا النووية"، وهو ما يُناقض تماماً تصريحات ترامب.
خلافات جوهرية فى دوائر صنع القرار الإيرانية
ووصفت رويترز وجهة نظر المسئول بأنها تُشير إلى وجود "خلافات جوهرية" بين واشنطن وطهران، لا بد من تجاوزها قبل التوصل إلى أي اتفاق.
ومن اللافت للنظر، أن وكالة أنباء فارس الإيرانية، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري الإيراني، تدخلت بشكل غير مألوف، حيث وبّخت عراقجي على منشوره على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إعادة فتح المضيق.
وصفت وكالة فارس رسالة وزير الخارجية بأنها "غير متوقعة"، وانتقدت بشدة حالة الارتباك التي سادت المجتمع الإيراني.
وانتقدت الوكالة "الصمت المطبق والمريب للمجلس الأعلى للأمن القومي وفريق التفاوض" حيال ما يجري.
وفي منشور منفصل، نقلت فارس عن متحدث باسم وزارة الخارجية، لم تسمّه، قوله إن "العدو" - الولايات المتحدة - "أدلى مرارًا وتكرارًا بتصريحات متناقضة في يوم واحد، بهدف إثارة ضجة إعلامية".
واعتبر خبراء الشؤون الإيرانية رسائل فارس دليلًا على وجود خلافات داخل النظام. ولم تكن هذه هي الأدلة الوحيدة.
وكتب رئيس بلدية طهران، علي رضا زاكاني، على مواقع التواصل الاجتماعي أنه إذا كانت تصريحات ترامب كاذبة، فيجب على أحدهم "دحضها بصوت عالٍ، دون تردد".