شهدت مصر في منتصف القرن التاسع عشر تحولات قانونية وإدارية عميقة خلال حكم محمد سعيد باشا، كان لها تأثير كبير على بنية الدولة وعلاقتها بالقوى الأجنبية، حيث يعتبرها مؤرخون نقطة مفصلية في تصاعد النفوذ الأجنبي داخل البلاد.
ففي مثل هذا اليوم، 18 أبريل من عام 1855، أصدر سعيد باشا قرارًا بإنشاء مجلس تجار مختلط يضم مصريين وأجانب، للفصل في المنازعات التجارية بينهم. ويرى عدد من الباحثين أن هذا المجلس كان مدخلًا لتطبيق القوانين الأجنبية على حساب الشريعة الإسلامية، ما مثّل تحولًا في النظام القضائي المصري.
ويشير الكاتب عمرو الشلقاني، في كتابه «ازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية»، إلى أن إنشاء هذه المجالس الأجنبية وجه ضربة قوية لتطبيق الشريعة، حيث تم استلهام نماذج أوروبية في تنظيم القضاء، بينما ظلت المحاكم الشرعية تعاني من ضعف التنظيم.
وفي إطار إصلاحاته الإدارية، أصدر سعيد باشا في 25 فبراير 1857 قرارًا برفع ثلاثة دواوين إلى مستوى "النظارة" (الوزارة)، وهي الداخلية والجهادية والمالية، مع تعيين نُظّار لها. وأسندت إلى نظارة الداخلية مهام واسعة شملت الصحة، والهندسة، وإدارة قناة السويس، والتعليم، والمطبعة الأميرية، والمستشفيات.
وجاءت هذه القرارات ضمن سياق منح امتيازات واسعة للأجانب، خاصة في مشروعات كبرى مثل حفر قناة السويس وإنشاء السكك الحديدية، وهو ما استدعى إنشاء آليات قانونية لتنظيم العلاقات التجارية بين المصريين والأوروبيين.
وتُظهر المصادر التاريخية تأثر سعيد باشا بالنموذج الفرنسي، نتيجة إقامته السابقة في فرنسا، وهو ما انعكس على توجهاته نحو تحديث مؤسسات الدولة وفق نماذج أوروبية. وقد أدى ذلك إلى إدخال نظم قضائية جديدة بعيدة عن الشريعة، مع استمرار تعيين القضاة وفق المذهب الحنفي، لكن مع تقليص دورهم الفعلي.
كما شهدت تلك الفترة توسعًا في الامتيازات الأجنبية، حيث مُنع محاكمة الأجانب أمام المحاكم المحلية، وأصبحوا يخضعون لقنصلياتهم، خاصة بعد صدور "اللائحة السعيدية" عام 1857، التي كرّست هذا الوضع كإطار قانوني.
ومع تراجع قوة الدولة العثمانية، ازدادت سلطة القناصل الأجانب في مصر، حيث لعبوا دورًا مباشرًا في الضغط على السلطة لتحقيق مصالح رعاياهم. ويذكر الدكتور محمد مورو في كتابه «تاريخ مصر الحديث» أن سعيد باشا كان شديد السخاء مع الأجانب، وغالبًا ما يستجيب لمطالبهم، بل ويعوضهم في حال عدم تحقيق أرباح من مشروعاتهم.