من أكثر الأشياء التي يعاني منها الإنسان، هي صورته الذهنية التي يقتنع بها من حوله ويعاملونه على أساسها طيلة حياته، فيشعر بالحساسية والحرج بسبب هذه الانطباعات السيئة ويحاول مرارا وتكرارا إقناع من حوله بأنه تغير للأفضل ، أو أنه كان مظلوماً في حكم الناس عليه.
وبالقطع، كلماته لا تجد صدى حقيقيا لدى الغالبية العظمى، لأن البشر بطبيعتهم يتأثرون بانطباعاتهم لا سيما لو كانت الأولية، او بعد عشرة طويلة، فليس من السهل عليهم أن يغيروا رأيهم بسهولة.
ولكن الأحرى بالإنسان الذي يعاني من هذه المشكلة ألا يسعى على الإطلاق لإقناع من حوله بأنه تحول إلى الأفضل، ولابد أن يسيق من الحجج والبراهين ما يؤكد أنه كان مظلوماً فيما نسب إليه من أفعال لا تمت للحقيقة بصلة، بل عليه أن يستخدم أسلوباً هجوميا لا دفاعيا، وبالقطع ليس المقصود بالأسلوب الهجومي هو التعبير بالغضب والعنف والصراع، بل بالأفعال، وذلك بأن يتصرف ويسلك وفقاً للتغيرات التي طرأت عليه، ثم يترك للآخرين فرصة الحكم عليه بمنتهى الحيادية والموضوعية، دون أن يدخل معهم في سلسلة من الجدل لا طائل منها.
فليس من المنطق أن يقول الإنسان: " أنا كريم"، أنا حنون، أنا شجاع، أنا أمين، وغيرها من الصفات الإنسانية الجميلة التي تجعله محبوبا من المجتمع ومن الجميع، فالأفعال هي التي تؤكد وجهة النظر عنه أو تنفيها تماماً.
ففي أحد الأيام سرق رجل في بلاد الهند قطيعا من الخراف، فقبضوا عليه ووشموا على جبهته (س . خ.) أي سارق خراف، ولكن الرجل قرر التوبة والتغيير. في البداية تشكك الناس منه، فأخذ يساعد المحتاج ويمد يد العون للجميع، الغني منهم والفقير، ويعود المريض، ويعطف على اليتيم، وبعد سنين مر رجل بالقرية، فوجد رجلاً عجوزا موشوما، وكل من يمر عليه يسلم عليه بحرارة ويقبل يده، والرجل يحتضن الجميع، وهنا سأل الرجل أحد الشباب عن الوشم الموجود على جبهة هذا العجوز، أي ما معنى (س. خ.)، فقال الشاب: "لا أدري، لقد كان هذا منذ زمن بعيد ولكنني أعتقد أنها ساعي خير".
ومن خلال هذه القصة القصيرة، يتأكد لنا أن الإنسان يمكن أن يغير الصورة الذهنية المأخوذة عنه من النقيض إلى النقيض بأفعاله وسلوكياته، لا بأقواله ومبرراته ودفاعه عن نفسه، فالأذن تنسى القول الذي لا يدعمه الفعل، أما العين والعقل والقلب والاحساس، يسيطران بالكامل على صاحبهم، ويجعلونه يؤمن بالفكرة ويدافع عنها، لذا فقد أصبح الناس يغيرون الحروف التي كانت سبة على جبين الرجل إلى معنى محمود وجميل يؤرخ مسيرته الإنسانية العطرة، لأن كل حواسهم آمنت بأخلاقه وحسن مسلكه، وكما قال (فولتير): "السبيل الوحيد لجعل البشر يتحدثون خيرا عنك، هو قيامك بعمل طيب".