محمود عبد الراضى

هندسة المسافات مع الناس

الخميس، 16 أبريل 2026 11:21 ص


في فلسفة الوجود، لا توجد معركة أشرس من معركة "التعامل مع الناس"؛ فهي ميدان يختلط فيه الصدق بالتمثيل، وتتحول فيه المودة أحياناً إلى فخاخ منصوبة.

السلامة هنا لا تعني "الهروب" بل تعني "السيادة"؛ أي أن تتقن فن المداراة دون أن تفقد ذاتك، وأن تعبر جسور الآخرين دون أن تسقط في هاوية خديعتهم، إنها "هندسة المسافات" التي تجعلك قريباً بما يكفي للدفء، بعيداً بما يكفي للسلامة.

فن التعامل مع الناس يبدأ من "فك شفرة الوجوه"؛ فلا تنخدع ببريق البدايات، فالبدايات غالباً ما تكون "مكياجاً" للروح، أما النهايات فهي الوجه الحقيقي الذي يسفر عنه الزمن.

القاعدة الذهبية هنا هي "الاقتصاد في العشم"؛ فمن وضع سقف توقعاته في الغيوم، فلا يلومن إلا نفسه حين يسقط على أرصفة الواقع.

تعامل مع الناس بـ "ظاهرهم" واترك السرائر لخالقها، ولكن لا تسلم مفاتيح حصنك الداخلي إلا لمن اختبرت فيه "معدن الشدائد" لا "لمعان الرخاء".

كن محترماً مع الجميع، لكن لا تكن مستسلماً لأهوائهم، السلامة تقتضي أن تكون كـ "المرآة"؛ تعكس جمال من يأتيك بجمال، وتكشف قبح من يأتيك بزيف، دون أن يتأثر جوهرك الزجاجي.

اتقن فن "التغافل الذكي"؛ فليس كل ما تسمعه يستحق الرد، وليس كل من أساء إليك يستحق شرف الخصومة.

أحياناً يكون "السمو" هو أرقى أنواع العقاب، ويكون "الصمت" هو الصرخة التي تزلزل حصون الوقاحة.

أما عن "المجالس"، فالسلامة فيها تكمن في "عفة اللسان"؛ فمن جعل من لسانه مبضعاً لتشريح أعراض الناس، فليعلم أن الجراح ستطاله يوماً، كن كالماء، مرناً في انسيابه، صلباً في اندفاعه، لا يتخذ شكلاً ثابتاً إلا شكل "الحق".

لا تمنح أحداً حق "تعديل مزاجك"، ولا تجعل سعادتك رهينة كلمة ثناء أو نظرة رضا من بشر؛ فمن ملك مفتاح ريموت إحساسك، فقد استعبدك.

السلامة من الناس هي أن تعاملهم بـ "أدب الملوك" و"حذر المحاربين"، ازرع المعروف في غير موضعه، فسيظل معروفاً، ولكن لا تتوقع الحصاد في أرض سبخة.

كن في وسط الزحام بقلب "ناسك"، وفي عمق الصراع بروح "حكيم".

إن فن التعامل مع الناس هو أن تسير بينهم كأنك تحمل "مصباحاً"؛ تضيء لمن حولك، لكنك تحذر جيداً ألا تلمس النار أصابعك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة