تهاوى التفوق الاستراتيجى، فغابت كل قيمة وفاعلية لفوارق القوة. وأمريكا باطشة بإدارة هشة، وإيران على العكس، والمواجهة بينهما محكومة بالاستنزاف الدائم.
الولايات المتحدة أفضل ميدانيا، إنما موقفها التفاوضى أضعف راهنا، وأسوأ كثيرا مما كان عليه قبل المبادرة بإشعال الحرب.
اختير التصعيد مدخلا إلى الترويض، فإن لم يكسر عنق الجمهورية الإسلامية، فأقلّها سيطوّعه للانثناء بما يكفى لدخوله تحت السقف الأمريكى، وما حدث، أن القوّة الهائجة وغير المنضبطة بأهداف سياسية واضحة، حفرت الفخ وحاصرتهم فيه، وبات لزاما على نافخى النار أن يزيدوا طاقتهم، أو يرتضوا بانطفاء ما أشعلوه سلفا.
باختصار، يُطلَب من طهران اليوم ما رفضته بالأمس، وقد صارت أقوى نظريا مما كانت، واستفحلت خسائرها بما تتضاءل معه كلفة الخوف والردع المعنوى، ومن ثمّ، فإما أن يُسلّم ترامب بالواقع الذى لا نصر فيه، كما لا هزيمة حاسمة تسحق العدو، أو أن يرتكب مزيدا من الأخطاء، وذلك، على أمل أن يُعدّل فى قلب العاصفة ما عجز عن ضبط استقامته فى الطقس الصحو.. ويبدو أنه انحاز للاختيار الثانى.
فشلت الجولة الأولى، ولم تسقط المفاوضات بعد. الأرجح أن يلتقى الوفدان مجددا، فى باكستان أو سواها، وبالتمثيل نفسه أو أقل.
كل لقاء فى الجو الراهن، أو ضمن التوازنات القائمة، لن يقود إلى اتفاق موضوعى مقنع للطرفين، فضلا على أن يكون قابلا للاستدامة، ودافعا نحو إنهاء الصراع التاريخى.
يتطلب التفاعل عاملا محفزا، أو يدا من الخارج لضبط المعادلة، وإعادة تكييف الأوزان وعناصر القوة المتضادة هنا وهناك، وإذ لا ضامن أو حاكم على البلدين من الدول أو المؤسسات النظامية، فالحل فى معركة ثانية، أو ما دون الحرب بقليل وله ذات الفاعلية.
تضيق نافذة الوقت، وسيكون على صاحب اليد العليا أن يتوصل لصفقة فى غضون عشرة أيام، أو يُسلّم بالجمود، مع ما ينطوى عليه من إحراج للأقوى، وتعزيز لسردية الأضعف عن الصلابة والانتصار.
وتُضاف لقائمة المخاطر، إغراءات ذلك فى الداخل والخارج، أى لمزيد من الشمولية والبطش مع بيئته، ومن الانفلات وقضم المصالح والخرائط فى الجوار.
تفتق ذهن الخبراء والمستشارين، وغالبا هم من نوعية رئيسهم الذى يشورون عليه، عن مُجاراة إيران فى هدفها، وبالكيفية نفسها. يُحاصر حرس الثورة مضيق هرمز، فليُضرب الحصار على الحصار..
قفز لذهنى مباشرة البيت الشعرى اللامع لمحمود درويش: «حاصر حصارك لا مفر»، والمفارقة أنه من قصيدة شهيرة اسمها «سقط القناع»، وقد سقط بالفعل عن وجوه الغرماء.
رأسان يتناطحان، ولكل منهما جسم وأذرع. كأنها معركة فى بدايتها بين أخطبوطين، وكلما مدّ أحدهما ذراعا، رد الآخر بنظيره.
وفى قصة الحيوان البحرى لدينا ثمانى فرص للتصعيد، غير أن العدد أكبر بالتأكيد مع حيوانات البر.
كان الطوفان طُعما من الممانعة، فصار شبكة أوقعت بها. حُيّدت حماس، وأُرجئت ورقتا الحشد الشعبى فى العراق والحوثيين فى اليمن، مع الشك فى قدرتها على ضبط الميزان المختل.
أما الحزب فأُرغم على الدخول، ويتّخذ منه الصهاينة الآن ذريعة لإبقاء الحرب فى كل الأحوال، والإجهاز على جوهرة التاج، وتقديم أمثولة رأس الذئب الطائر للميليشيات المستأسدة والحكومات المُستضعَفة معا!
يُعاد إنتاج «عقيدة الضاحية»، إنما غرضها اليوم ليس الترويع فقط، بل الترويض والضغط بالتصعيد.
نظرية الصبر الاستراتيجى لدى الملالى حاضرة تحت النار، كما فى زمن العقوبات، وجوهرها أن أملها فى القوة يتعلق على طول بالها ويأس الخصوم.
الإيرانيون يستميتون فى ربط سلاح الحزب/ أى لبنان، بطاولة التفاوض مع واشنطن. والأمريكيون يخيّرونهم بين إخلاء سبيله أو تركه فريسة لإسرائيل.
حدث الاستبدال فى سوريا، وإن بصيغة مغايرة قليلا. ويُمكن أن نمد الخط على استقامته: شيعة أو يهود، ملالى أو حاخامات، امبراطورية فارسية أو عبرية، وممانعة تستبيح الخرائط أو اتفاقات إبراهيمية ومصالح تمضغها بنعومة. المطروح منهما تخيير بين سيّئين دوما.
وبالنسبة لنا، لا يقل خطر أحدهما عن الآخر، ويُفترض ألا نُسحَب إلى حيّز الاختيار بينهما من الأساس.
وكلاهما سواء بالنسبة لحاضرنا ومستقبل المنطقة. بعيدا من رومانسية الهائمين فى تل أبيب، وأصولية المُولّهين بطهران.
الصهاينة أعداء من دون شكّ، إذ يحملون مشروعا دينيا بأهداف توسعية، يحتلّون أرض غيرهم ويطمعون فى سواها، ولديهم أهداف مضادة تماما للعرب ومصلحتهم وأمنهم القومى.
وباعتبار أن الجمهورية الإسلامية تنطلق من عقائدية مذهبية، بأحلام عرقية تمد بصرها بطول البلاد وعرضها، وتخترق عواصم عدّة بطابورها الخامس، وتسعى للمزيد، فإنه ينطبق عليها ما يُقال فى سابقتها، ويصح معها الوصف بالعداء، ما لم تقر وتعتذر وتُصوّب انحرافاتها ومواقفها المشبوهة.
والاختلاف على امتداد الرقعة العربية يعود لزاوية النظر فحسب، وكل قريب من عدوّ فيهما سيرى خطره الأكبر والأولى بالمواجهة.
إنما الثابتة المتفق عليها أنهما عدوّان، بنوايا متطابقة، ومضمون واحد وإن اختلفا فى الشكل.
سيتصالح المُتحاربان اليوم، وسيتخاصمان مستقبلا، وقد يطول الوقت بهما على حال، ويقصر فى الثانية. غير أنهما لا يختلفان فينا، بل علينا. ولا نفع لنا فى انكسار واحد وإزاحته، أو استفراد الثانى بالساحة.
مُضارون فى الحرب، وأكثر تضررا لو اتفقا على اقتسام الكعكة. وسنظل ما شاء لنا الهوى، وظللنا فى مقاعد المتفرجين.