تعد السخرية أحيانا هي المرآة الأكثر صدقا لمواجهة عاداتنا الاجتماعية التي تشيع دون فحص، ولعل ما قدمه الفنان أحمد أمين في أحد عروضه الكوميدية حول تنظيف البيت لاستقبال الضيوف يختزل أزمة ثقافية عميقة، فمشهد جمع التراب تحت السجادة بدلا من إزالته، والاكتفاء بتنظيف ما هو ظاهر فقط في محاولة مسرعة لإعداد المنزل، يفتح الباب لتحليل فكرة تقديم الشكل على حساب الهدف الأصلي من الأشياء.
هذا السلوك هو مدخل لتحليل ثقافي يلمس جوهر الأداء في مجتمعاتنا، و ليس مجرد مفارقة كوميدية عابرة، وهو ما عبر عنه المفكر الدكتور أيمن بكر صاحب الأبحاث المهمة في مجال الدراسات الثقافية، والذي صاغ مصطلحا شديد الدقة أطلق عليه سياسات الطلاء.
إن سياسات الطلاء كما يقصدها صاحب براءة اختراع هذا التعبير، هي مجموعة الإجراءات التي يقوم بها فرد أو مؤسسة لإثبات العمل والنشاط، دون أن يصل هذا المجهود إلى غايته المنشودة أو يحقق أثره المطلوب.
ويتجلى ذلك بوضوح في مثال الرجل الذي يقرر تجديد منزله، فيكتفي بطلاء الواجهة الخارجية بألوان براقة تلفت الأنظار، بينما تظل البنية الداخلية والأساسات تفتقر لأي صيانة حقيقية، وهذا النمط من الأداء لا يقتصر بالطبع على ترميم المباني، لكنه يمتد ليصبح منهجا في الإدارة والحياة، حيث يتقاطع مع موروثات شعبية راسخة مثل العمل بمنطق سد خانة أو ما يعرف ببرو العتب.
إن عبارة برو العتب هي عبارة مصرية تعكس في جوهرها الوقوف مليا عند الإجراءات التي تستهدف فقط إثبات الحضور أو إظهار الالتزام الصوري بالمهام، دون النظر إلى المردود الأساسي أو الجدوى الحقيقية للعمل، فالموظف الذي يغرق في البيروقراطية لتقديم تقارير ورقية مثالية بينما الخدمة الفعلية معطلة، أو المسؤول الذي يركز على التدشين الشكلي للمشروعات دون الاهتمام باستدامتها، يمارسون جميعا ذات الطلاء الذي يخفي خلفه عيوبا جوهرية، وهذه العيوب لا تعيق حركة التقدم والتطور فحسب، لكنها تؤدي إلى بناء وعي خادع يسير بالعمل في اتجاه معاكس تماما للهدف الذي وضع من أجله في الأصل.
لذلك، يصبح من الضروري مراجعة هذه السياسات التي تكتفي بشعار كله تمام يا أفندم، وهي الثقافة التي تستدعي وقفة جادة لإعادة الضبط وقياس الأهداف بناء على واقع ملموس لا على بيانات مطلية ومنفصلة عن الحقيقة.
إن الانتقال من مرحلة الادعاء إلى مرحلة الإنجاز الحقيقي يتطلب جرأة في مواجهة العيوب الداخلية بدلا من تغطيتها، فالمراجعات الحقيقية وانضباط البيانات حسب الواقع هما الضمان الأساسي والوحيد لتحقيق النهضة والتقدم الذي ننشده جميعا لمجتمعنا.