حين وجه الرئيس السيسي بالعمل على مبادرة دولة الفنون والإبداع، استحضارا لنموذج دولة التلاوة المصرية، لم يكن الهدف مجرد البحث عن أصوات حسنة أو ريشة فنان موهوب أو كاتب مبدع فحسب، لكنه كان نداء لاستعادة القوة الناعمة المصرية في صورتها المؤسسية الشاملة، التي تخطط لاستثمار قواها البشرية التي تعد أثمن ما تملك الدولة.
لكن الخطر الأكبر الذي يواجه مثل هذه المبادرات هو حصرها في قالب المسابقة الموسمية أو البرنامج التليفزيوني الذي ينتهي بانتهاء إعلان الفائز، وهي تجربة قد تكررت كثيرا في مصر وخارجها، فما نحتاجه فعليا هو تحويل هذه إلى مشروع قومي مستدام، يمتلك هيكلا تنفيذيا لا يتوقف عند حدود الاكتشاف، ويمتد ليكون مصنعا لصناعة المبدع وصيانته، في برامج مستدامة تضمن تنمية تلك المواهب واستثمارها.
ولا يمكن لمثل هذا المشروع أن ينجح بجزيرة منعزلة، أو فقاعة مؤقتة تقوم بعمل لقطة إعلامية، حيث يكون التنسيق هنا شرطا أساسيا للنجاح، ويعتمد على تناغم العمل بين جهات متعددة لكن تحت مظلة أساسية تضمن تحقيق الأهداف المحددة بدقة.
نحن إذن بحاجة إلى بروتوكول عمل عابر للوزارات، يربط التربية والتعليم بـالشباب والرياضة والثقافة، والجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، وصولا إلى دور الإعلام في الترويج للأذكياء والموهوبين بدلا من تصدير التفاهة، وربما يكون على الجامعات تقديم منح للدراسة لهؤلاء الموهوبين في مجالات إبداعهم دون التقيد بشروط السن أو الشهادة أو المجموع، فالهدف هو خلق مسار آمن للموهبة، يبدأ من فصل المدرسة وصولاً إلى منصات التتويج العالمية.
وتعني التنمية المستدامة للموهبة أننا لا نترك المبدع بعد اكتشافه نهبا للظروف أو للنسيان، لذا يجب على دولة الإبداع أن توفر حاضنات للإبداع تقدم الدعم الأكاديمي، والتدريب الفني، والحماية الحقوقية والمادية، فنحن لا نبحث عن نجم مؤقت يملأ الشاشات الآن ويخفت بعد حين، لكننا نستهدف هنا تنمية شاملة للإنسان المصري واستكشافا عاما لقدراته، ونبحث عن جيل يعيد صياغة الوجدان المصري ويحمي الهوية من التسطيح.
إن الاستثمار في دولة الإبداع هو استثمار في العقل المصري، وهو خط الدفاع الأول ضد الأفكار المتطرفة والذوق المشوه، فالإبداع هو اللغة التي تتحدث بها الدول القوية للعالم، ومصر التي علمت الدنيا فن التلاوة قادرة بامتياز على أن تكون دولة الإبداع في كل الميادين، وهو الأمر الذي تتوجب معه الإشارة إلى أهمية التأني والتخطيط لمثل هذا المشروع مع وجوب توحيد الجهود تحت مظلة يجب أن تكون ثقافية في الأساس وإبداعية، تكون هي الضامن الأساسي لوصول مثل هذا المشروع إلى أهدافه.