ناهد صلاح

هدوء نسبي .. تحت إيقاع القصف

الإثنين، 13 أبريل 2026 06:30 م


هناك لحظات يمكن تفسيرها بالموسيقى، ليس لأنها تهدّئنا، بل لأنها تقول ما نعجز نحن عن قوله.. الآن، وأنا أتابع ما يحدث في لبنان، هذا البلد الذي يبدو كأنه كُتب عليه أن يعيش بين قوسين: قوس الحرب وقوس الانتظار.. أجد نفسي أعود بشكل غريزي إلى ألبوم هدوء نسبي لـ زياد الرحباني، ليس استماعًا عابرًا، بل استدعاء لحالة كاملة،الألبوم في هذه اللحظة القاسية يُعاش تفصيليا.

في الأخبار، كل شيء صاخب: صور، أصوات، بيانات، تحليلات، غضب، لكن داخل هذا الضجيج، هناك شعور غريب بالجمود، كأن العالم كله يراقب من بعيد، كأن ما يحدث يُصنّف ضمن بند بارد اسمه "تصعيد"، هذا التناقض تحديدًا هو ما يجعل "هدوء نسبي" يبدو كأنه كُتب الآن، وليس في العام 1985.


العنوان نفسه ليس بريئًا،"هدوء نسبي" ليست حالة سلام، بل خدعة لغوية. تعبير صحفي يُستخدم عندما يتوقف القصف قليلًا، لكن الخوف لا يتوقف، عندما تنخفض أصوات الرصاص، لكنها لا تختفي من الذاكرة ولا من الاحتمال، هذا بالضبط ما أشعر به الآن..هدوء مشروط، هش، كأن شيئًا أسوأ ينتظر دوره.


عندما أستمع إلى الألبوم، لا أسمع فقط موسيقى. أسمع تاريخًا كاملاً من القلق. الحرب الأهلية اللبنانية لا تظهر هنا كخلفية مباشرة، بل كظل دائم، كحضور غير مرئي، لكنه يلوّن كل نغمة..البيانو في هذا العمل ليس آلة عزف فقط، هو مساحة تفكير، والساكسفون ليس زينة صوتية،هو أنين طويل، ممتد، كأنه يحاول أن يقول شيئًا ولا يجد اللغة.


في هذا الألبوم، لم يسعى زياد إلى إبهارنا، بل إلى أن يتركنا عالقين في مساحة متأرجحة، الألحان لا تمشي في خط مستقيم، بل تتعرّج، تتوقف، تتردد، كأنها تشبهنا تمامًا عندما نحاول فهم ما يحدث حولنا. هناك شيء خاص جدًا في الطريقة التي يتعامل بها زياد مع الأصوات، لا يستعرض، لا يتزيّن، لا يبالغ. يترك الأصوات كما هي: هشة أحيانًا، متعبة أحيانًا، صادقة دائمًا.، وفي زمن تُرفع فيه الأصوات لتغطية الحقيقة، يصبح هذا الصدق نادرًا.


أغنيات مثل "بصراحة" لا تُغنى لتُطرب، بل لتُقال،كأن الكلمة هنا أهم من اللحن، أو ربما اللحن هو مجرد وسيلة لتمرير وجع لا يمكن قوله مباشرة، يتسع الألبوم كذلك لعالم متكامل من الأغاني التي تبدو كأنها شظايا من حياة تُعاش تحت ضغط دائم. في "بلا ولا شي" بصوت جوزيف صقر، تتحول السخرية إلى أداة مقاومة ناعمة، حيث يختبئ النقد الاجتماعي خلف بساطة الجملة ومرارتها.. أما "ما تفل" بصوت سامي حواط، فتأتي كصرخة مكبوتة، مشحونة بطاقة داخلية لا تنفجر بالكامل، بل تظل عالقة في الحنجرة كما لو أنها تعكس حالة عامة من العجز. في "خلص"، ينساب التعب العاطفي بهدوء قاتل، كاستسلام لا يخلو من وعي مرير،  بينما تحمل "من كل بد"  مزيجًا من الحنين والارتباك، كأنها محاولة لفهم عالم يتفكك ببطء.


بين هذه الأصوات، تظل المقطوعات الموسيقية، وعلى رأسها "هدوء نسبي"، بمثابة المساحة الأكثر صدقًا، حيث تكلم زياد الرحباني بالبيانو أكثر مما قالته الكلمات،وترك لنا أن نكمل الحكاية من داخلنا. لكن المفارقة الأكثر قسوة، أن هذا الألبوم، الذي وُلد من رحم الحرب، يبدو اليوم كأنه يصف حاضرنا بدقة مخيفة.


كأن الزمن لم يتحرك، أو كأننا نحن الذين ندور في نفس الدائرة.
ما يحدث في لبنان الآن ليس مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل إعادة إنتاج لنفس الشعور: أن تكون الحياة معلّقة. أن تعيش يومك كأنك على حافة شيء لا تراه، لكنك تعرف أنه قادم.
أن تبحث عن لحظة عادية… وتفشل.
هنا، يصبح "هدوء نسبي" ليس مجرد ألبوم، بل ملاذًا غريبًا.


ملاذ لا يريحك، لكنه يفهمك، أحيانًا، أثناء الاستماع، أشعر أن زياد لا يعزف لنا نحن المستمعين، بل يعزف لنفسه، كأنه يحاول أن يفهم ما يحدث، أو على الأقل أن يحتملّه.
هذا تحديدًا ما يجعل التجربة شديدة الخصوصية، لأنك، وأنت تسمع، لا تشعر أنك تتلقى عملاً فنيًا… بل تشعر أنك تشارك في حالة. حالة من التأمل، من الحزن الهادئ، من الغضب المكبوت، من السخرية التي تخفي وجعًا أعمق مما يبدو.
الغلاف أيضًا يحكي كل شيء دون أن يقول شيئًا: امرأة تضبط حذاءها، وخلفها سلاح.


الجمال والعنف في نفس الكادر. الاعتيادي والكارثي في نفس اللحظة، هذا بالضبط ما تبدو عليه الحياة في الحروب: تفاصيل صغيرة جدًا تستمر رغم كل شيء.


امرأة تعدّل حذاءها، بينما العالم ينهار في الخلفية. في لحظتي هذه، وأنا أتابع الأخبار القادمة من لبنان، أشعر أنني أعيش داخل هذا الغلاف، أحاول أن أتمسك بتفاصيلي الصغيرة، بينما هناك واقع أكبر بكثير يضغط على كل شيء.
أفتح الألبوم.. وأترك الموسيقى تتسلل ببطء. لا تغيّر الواقع.


لا توقف الحرب، لا تعطي إجابات، لكنها تفعل شيئًا آخر، تمنحني القدرة على الشعور دون أن أنهار.


ربما هذا هو سر "هدوء نسبي": أنه لا يقدّم عزاءً، بل يقدّم اعترافًا، لا يقول لك إن كل شيء سيكون بخير، بل يقول لك: أنا أعرف هذا الشعور.
في أوقات مثل هذه، فإن هذا وحده يكفي.، أدرك الآن أنني لا أستمع إلى الألبوم لأهرب من الواقع، بل لأراه بشكل أوضح. فالفن الحقيقي لا يغطّي الألم، بل يكشفه، لا يجمّل الحقيقة، بل يضعها أمامنا، عارية، هادئة، ومخيفة.. تمامًا مثل هذا "الهدوء النسبي" الذي نعيشه الآن.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة