لم تكن جدران محاكم الأسرة يوماً مجرد شاهد على خلافات مالية أو خيانات زوجية، بل باتت مؤخراً صدى لصرخات صامتة لزوجات يعشن "الوحدة" تحت سقف واحد مع أزواجهن.
وقائع جديدة بدأت تطفو على السطح بقوة، وهي دعاوى "الخلع" التي لا يكون سببها الضرب أو الإهانة، بل "الغياب القاتل" للأزواج بداعى العمل أو الانشغال المفرط، لتتحول الزوجة إلى مجرد مديرة منزل بمرتبة "أرملة على قيد الحياة".
بين أروقة المحكمة، تروي (ن. م)، وهي زوجة في الثلاثينيات من عمرها، قصتها بمرارة قائلة: "تزوجت مهندساً ناجحاً، يغادر الفجر ويعود في منتصف الليل، لا أراه إلا نائماً، ولا يجمعنا حوار سوى عن المصاريف واحتياجات الأطفال، شعرت أنني قطعة أثاث في المنزل ولست شريكة حياة، وحين طلبت الطلاق رفض، فكان الخلع هو نافذتي الوحيدة لاستعادة إنسانيتي".
قصة أخرى لـ (سعاد) التي لم يمر على زواجها عامان، تقول: "أعيش في سجن من الذهب، زوجي يسافر لشهور ويعود لأيام يقضيها في العمل أيضاً، شعرت بالخوف من نفسى ومن الوحدة، فقررت الانفصال قبل أن تذبل مشاعري تماماً".
هذه القصص جرس إنذار يضرب بقوة في مجتمعنا. فالبرغم من ضغوط الحياة الاقتصادية في العالم كله، التي تفرض على الرجل العمل لساعات طويلة، إلا أن "الغياب الوجدانى" هو ما يطلق رصاصة الرحمة على العلاقة.
الزوجة لا تبحث فقط عن المال، بل تبحث عن السكن والمشاركة، وحين يتحول الزوج إلى "ماكينة صراف آلي" فقط، تسقط قدسية الرباط المقدس تحت وطأة الإهمال.
ولتفادي هذا الفخ الذي يدمر البيوت، يضع خبراء العلاقات الأسرية "روشتة" عاجلة، تبدأ بضرورة تخصيص "وقت مقدس" للعائلة مهما كانت الضغوط، فلا يقل عن ساعة يومياً خالية من الهواتف والعمل.
كما يجب على الزوج أن يعوض غيابه الخارجي بالمشاركة الفعالة في تفاصيل يوم زوجته، فالكلمة الطيبة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هما الترياق الوحيد لسم الوحدة.
ومن المهم أيضاً أن يتفهم الطرفان أن الزواج هو "شراكة إنسانية" قبل أن يكون التزاماً مادياً، وأن دفء المنزل هو الاستثمار الأكبر الذي لا يجب أن يضيع في سباق البحث عن الرزق.