خالد دومة يكتب: الأفضل

الأربعاء، 01 أبريل 2026 12:17 ص
خالد دومة يكتب: الأفضل خالد دومة

لا تقل عن عمل ذا ناقص.. جيء بأوفى ثم قل ذا أكمل

يذكرني بيت المتنبي بذلك الرسام، الذي رسم لوحة غاية في الإبداع، ثم ترك قلما، ليضع كل من رأى نقصا أوعيبا، بجوار العيب علامة أو نقطة، وفي اليوم التالي، لم يكد يرى الصورة من كثرة ما رأى من علامات ونقاط، فنصحه صديق بأن يضع فرشاة وألوان، وقال من رأي عيبا فليصلحه، وفي اليوم التالي لم يجد زيادة أو نقص، فالكثير يقول وينتقد ويتحزلق ويجتهد في إظهار عيبا عند الأخرين، فإذا سألته عن عمل قام به يشبه ما ينتقد أو يقترب منه سكت ولم يتكلم، إنه يعتقد حين ينتقدعمل ما إنه يحط من قدر صاحب العمل، في حين يرفع من قدره بذكائه، فكثير كم هؤلاء المتنطعين الفارغي المواهب، ولا امتياز لهم في شيء سوى البحث عن ثغرات الأخرين، الفارق العميق بين من يُبدع، ومن يكتفي بالنقد. فالأول ينشغل بالبناء، بينما ينشغل الثاني بتتبع المآخذ، فإن وجدها أذاعها، وتشدق بها، وزاد عليها من غثاء نفسه ولفق. ولو أنه لديه ما يسوغ ذكائه المتوهم، لكان الأمر شبه مقبولا، أما وأنه حين يتحدث ويرتل كلامه، كأنها الحكم تخرج من لسانه، فتقع على الآذان ودون أن يتمحص العقل ما بها، أخبرت عما تحمل من لغو وغثاء، وهو لا يكف عن أسماع من يحيطون به ولعل اصغاءهم خدعه فيما يتلفظ به وتهليلهم لما ينطق به دون اعتراض أو تمويه لكان به من عور وربما لأنه رجل صاحب مال تجد الألسنة تخرس تقديرا لماله لا لحكمته المزيفة، وأقواله التي لا صدى لها في النفوس، وليس لك إلا أن تتعجب صامتا أو تصمت متعجبا فأي تعليق أو اعتراض إنما هو دليل على عدم معرفتك بطبيعة الحكمة، ولا أصحابها من صاحبنا صاحب المال، ولعلهم في قرارة أنفسهم يتعجبون كما أتعجب ولكنهم من كثرة تملقهم له، قد ظنوا على بعد العهد بذلك أن ما يقول بالفعل شيء جدير بالإصغاء والإعجاب، ويشكرون نعمة الله بأن خلقهم في زمنه، وشرفت عيونهم بالنظر إلى وجهه، وهو لا يزال يتوهم حتى يظن بنفسه التعقل والحكمة، ليست المشكلة في وجود العيوب، بل في سهولة الإشارة إليها، وصعوبة معالجتها، الغرور صفة سيئة تجلب الضرر لصاحبها، حتى ولو كان صاحب فكر سديد، وعقل راجح.

وليس أفضل من التجارب والمعاملة، في اكتشاف طبيعة الناس، فإن المرارة التي تخلفها بعد التجارب والاختلاط، هي ما تترك في النفس درسا عميقا لا ينسى، فالقراءة قد تمدك بمعرفة لا بأس بها، في وصف الطبائع وتشريحها، ولكنها لا تترك الأثر العميق، الذي يتركه العمل المتقن والمعاشرة والاحتكاك بالغير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة