أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تهيمن على عقول الكثيرين، لما تتيحه من تدفق هائل للمعلومات والبيانات، إلى جانب انتشار مقاطع الفيديو عبر تطبيقات مثل "تيك توك" وغيرها من المنصات، حتى باتت مصدرًا أساسيًا لدى البعض في تشكيل وعيهم ورؤيتهم للأحداث.
وخلال الأيام الماضية، انتشر مقطع فيديو أثار جدلًا واسعًا، يظهر ثلاثة أطفال صغار يلهون فوق مرتبة معلّقة في شرفة بإحدى الطوابق المرتفعة، بينما لم تكن الأم على علم بوجودهم في هذا الوضع الخطر، لانشغالها برعاية ابنتها المريضة، وهذا لا ينفى تقصيرها وتعريض أبنائها للإهمال وتركهم دون رقيب.
ما يثير التساؤل في هذا المشهد، ليس فقط خطورة الموقف للأطفال، بل تصرف السيدة التي قامت بتصوير الفيديو، لماذا لم تسارع بإبلاغ الأم أو طرق باب منزلها لإنقاذ الأطفال؟ لماذا فضلت التقاط مقطع قد يحقق مشاهدات مرتفعة، بدلًا من التدخل لمنع كارثة محققة كادت أن تقع؟ يبدو أن هوس "اللقطة" وركوب التريند، أصبح لدى البعض أهم من إنقاذ حياة إنسان.
هذه الواقعة تطرح سؤالًا أخلاقيًا مهمًا: ماذا كان سيحدث لو سقط أحد الأطفال ولقى مصرعه؟ هل كان يمكن لتلك السيدة أن تتجاهل تأنيب ضميرها الذى كان سيلازمها طوال حياتها، وهي تعلم أنها كانت قادرة في لحظة على التدخل ومنع المأساة؟
للأسف، تراجع الإحساس بالمسؤولية لدى البعض تحت مبررات واهية، مثل توثيق الحدث أو نقل الحقيقة كاملة، لكن أي حقيقة تنقل إذا كان ثمنها حياة إنسان بريء؟ فما بالك بأطفال صغار؟ هل أصبح من المقبول أن نصور شخصًا يتعرض للخطر بدلًا من مد يد المساعدة له؟
في الماضي، كان إنقاذ الآخرين يعد عملًا بطوليًا يشاد به، أما اليوم فقد أصبح التدخل الإيجابي أمرًا نادرًا يثير الدهشة، وكأن القيام بالواجب الإنساني أصبح شيء استثنائي.
إن إنقاذ حياة الإنسان يجب أن يكون دائمًا أولوية، ما دام كان ذلك في استطاعتنا، دون تردد أو التفكير في أى حسابات أخرى، فحياة المرء لا تعوض، وقد تكون لحظة التأخر في التدخل سببًا في فقدان روح لا يمكن استعادتها.
علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن ندرك أن إنسانيتنا تقاس بما نقدمه من مساعدة للآخرين، لا بعدد المشاهدات التي نحصدها، على مواقع التواصل الاجتماعي.