دينا عبد العليم تكتب: حكاية نرجس.. كيف يتحول الوجع إلى وصم والوصم إلى قفص يحبس صاحبه فيتحول إلى وحش

الأحد، 08 مارس 2026 10:44 م
دينا عبد العليم تكتب: حكاية نرجس.. كيف يتحول الوجع إلى وصم والوصم إلى قفص يحبس صاحبه فيتحول إلى وحش دينا عبد العليم تكتب عن حكاية نرجس.

حين يلتصق الوصم الاجتماعى بإنسان، لا يبقى مجرد كلمة عابرة، بل يتحول ببطء إلى قفص غير مرئى يضيق حول روحه يومًا بعد يوم، ومن بين الحكايات التى قدمتها دراما الشركة المتحدة فى الموسم الرمضانى هذا العام، تبرز حكاية «نرجس» بطولة النجمة ريهام عبد الغفور، المستوحاة من قصة حقيقية تحمل فى طياتها قدرًا كبيرًا من الألم الإنسانى. فالحكاية لا تروى مأساة امرأة فحسب، بل تفتح الباب أمام سؤال موجع: ماذا يمكن أن يفعل حكم المجتمع حين يتحول إلى سكين خفية فى قلب صاحبه؟ وكيف يمكن لكلمة قاسية أو نظرة اتهام أن تدفع إنسانًا عاديًا إلى طريق لم يكن يومًا جزءًا من طبيعته؟

فى قلب هذه الحكاية تقف الفنانة ريهام عبد الغفور التى قدمت واحدًا من أكثر أدوارها تعقيدًا وصدقًا، حيث لم تكتفِ بأداء شخصية درامية عابرة، بل نجحت فى تقمص ملامح إنسان حقيقى عاش مأساة قاسية. ومنذ اللحظة الأولى يظهر أن الأداء لا يعتمد على الحوار فقط، بل على تفاصيل دقيقة فى تعبيرات الوجه ونبرة الصوت وطريقة النظر، وكأن الممثلة لا تمثل بقدر ما تعيش كل لحظة من حياة البطلة.

نجحت ريهام عبد الغفور فى نقل حالة الانكسار التى عاشتها نرجس، تلك المرأة التى وجدت نفسها محاصرة باتهامات ولوم ووصم ومعاملة قاسية من الكل، حتى أقربهم إليها وهى الأم. فبدلًا من مواساتها عايروها، وكأنها هى من اختارت أن تكون عقيمًا. ومع كل نظرة شفقة أو كلمة جارحة أو اتهام مبطن، كانت الكاميرا تلتقط ملامح وجهها التى تختلط فيها الحسرة بالغضب، وكأن المشاهد يرى روحًا تُدفع تدريجيًا نحو حافة الانفجار.

لم يكن الألم الذى تعيشه الشخصية مجرد حزن عابر، بل حالة من الإذلال المستمر. فالوصم الاجتماعى لا يكتفى بوصف الإنسان بصفة معينة، بل يحاصره بها حتى تتحول إلى قفص لا يستطيع الخروج منه. ومع مرور الوقت يبدأ هذا القفص فى تشكيل الشخصية من الداخل، فيتحول الجرح إلى غضب، والغضب إلى رغبة فى الانتقام من عالم يعاقبها على وجع بين ضلوعها بسبب جريمة لم ترتكبها.

وهنا تصل الحكاية إلى أكثر لحظاتها قسوة، حين يتحول هذا الغضب المكبوت إلى فعل مأساوى ينتهى بجريمة خطف طفل. لم يكن هذا التحول مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من القهر النفسى. فالدراما لم تقدم الجريمة باعتبارها شرًا مجردًا، بل باعتبارها نهاية مأساوية لسلسلة من الضغوط التى دفعت البطلة إلى طريق مظلم.

واللافت أن العمل لم يبرر الفعل بقدر ما حاول تفسيره، وهو فارق مهم بين الدراما التى تكتفى بالحكم على الشخصيات، والدراما التى تحاول فهم ما يدور داخلها. فالمشاهد لا يجد نفسه متعاطفًا مع الجريمة، لكنه يدرك كيف يمكن للإنسان أن يتغير عندما يُسلب منه الشعور بالكرامة والقبول.

تكمن قوة حكاية نرجس فى أنها لا تروى قصة امرأة فقط، بل تطرح مرآة أمام المجتمع كله. فالكلمات التى نطلقها بسهولة، والأحكام التى نصدرها دون تفكير، قد تتحول إلى قوى خفية تعيد تشكيل حياة الآخرين. وفى كثير من الأحيان يصبح الوصف الذى يلاحق الإنسان هو نفسه الحقيقة التى يُدفع إليها مع الوقت.

هكذا تنجح الحكاية فى تقديم رسالة إنسانية عميقة: أن الوصم ليس مجرد كلمة، بل قدر قد نصنعه بأيدينا للآخرين. وبين أداء ريهام عبد الغفور الصادق وبناء درامى يعتمد على التفاصيل النفسية، تتحول نرجس من شخصية درامية إلى حكاية تحذيرية تذكرنا بأن القسوة الاجتماعية قد تكون الشرارة الأولى لمآسٍ أكبر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة