تنسكب أنوار الصيام في حنايا الروح فيضا يسترد للمرء ذاته، ويستنهض في وجدانه جلال الفرقان؛ تلك الموقعة التي لم تكن صراعًا عابرًا في سفر الزمان، بل غدت مهدًا لولادة نفس تصاغ بدقيق الانضباط، وتجلت في مشكاة المجاهدة، فما بدر إلا المثال الندي لفيوض رمضان؛ فمن روض في خلوة الصبر شموخ إرادته، وكبح بلجام العزم سَوْرة رغباته، غدا أشد شكيمة وأصلب عودًا حين تعصف به ميادين الابتلاء، وأجدر بأن يحوز قصب السبق في معارك القيم وفضائل الصمود.
تصدح الملحمة الخالدة في فاتحة تراتيلها بأن الظفر في ميادين النزال ما هو إلا صدى لانتصار باطني أزهر في الأغوار، حيث خاض الرواد غمار الملحمة بوجدان شفيف صقله جلال الفريضة وأرهفه سكون القيام، فغدت نفوسهم طيعة في ركاب الانضباط القيمي الرفيع، وهنا تتبدى القاعدة التربوية في أبهى بريق الوجدانية؛ فمن نكل عن ريادة ذاته وإحكام لجام رغباته، كان عن قيادة الزمان وحيازة سؤدد المجد أعجز.
تفيض في المشهد البدرِي رزانة التوجيه وسمو التخطيط الحصيف؛ إذ رسمت معالم الثبات بمشورة الحباب، ورصفت الصفوف في محراب الإتقان، واستقرأت أنباء الميدان بدقة بالغة، فما حجب اليقين الصادق ضرورة بذل الجهد البشري المستطاع، بل كان الابتهال الضارع الذي سقط منه الرداء ميثاقًا وجدانيًا يهذب الروح؛ ليغرس في أعماق النفس أن المرء يبذل في سبيل غايته الأسباب كأنها كل شيء، ثم يمضي بقلبه الواثق موقنًا بأن الأسباب وحدها، دون مدد الطمأنينة، ليست هي كل شيء.
تسمو في يوم الفرقان تراتيل القيادة التشاركية في أرفع تمثلات الوجدانية؛ إذ لم تكن استبدادًا بالرأي، بل كانت فضاء للمشورة بامتياز؛ حيث غرس استنطاق العقول في استهلال المبدأ واختيار الموقع في نفوس الرواد أنهم شركاء المصير، لا مجرد أدوات لامتثال الأوامر، وهي اللطيفة الإنسانية ذاتها التي استنهضت وجدان سعد ليقول بلسان اليقين المترع بالوفاء: فاصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، فما كان هذا الجلد الوجداني الباذخ إلا ثمرة المبدأ التربوي الذي جعل الفرد يرى ذروة مجده وريادته في نصر الفكرة التي آمن بها وانصهر في صياغة قرارها.
تتبدى في بدر أعجب ملامح الصقل الوجداني وأرقها بتلك النفحات الساكنة التي انهمرت بلسما على القلوب الوجلة؛ فكان النعاس الذي غشي الأرواح قبل الأبدان أمنةً وراحة، وكان المطر طهورًا غسل المخاوف وثبت به الأقدام، وهي رسالة تربوية لكل ذي مبدأ تأتلقُ رقة وجلالًا؛ بأن المرء بقدر صدق إخلاصه وعمق تفانيه يمنح من لدن السكينة مدًا يجعله راسخًا كالطود حين تضطرب من حوله رياح الظنون، فما رباطة الجأش في لحظات المحنة العاتية إلا ثمرة طمأنينة باذخة غرست في أعماق الذات لتواجه بشموخ عواصف القلق الخارجي.
تنساب في الموازنة التربوية بين جيل الملحمة الخالدة وواقعنا المعاصر دعوة لا تروم استحضار المجد للزهو العابر، بل تستنطق السرائر لمراجعة الأنا وقياس الأثر؛ إذ كان كفّ النفس لديهم فيضًا يوقظ الكامن من الإرادة، ومجاهدة تصقل جوهر الباطن قبل جلاء الظاهر، بينما استحال في الكثير من الرؤى عادة رتيبة تثقل كاهل الجسد ولا تسمو بوجدان الروح، وكان نداء أحدهم إني صائم سياجًا يذود عن حياض النفس ويردع سَوْرَة الغضب ويهذب منطق اللسان، فغدا اليوم في بعض الوجوه حجة لضيق الصدر وحدة الانفعال، وكان توكلهم سعيًا دؤوبًا يسبق الضراعة ويصحبها، يحكمون فيه الأسباب بيد باذلة كأنها كل شيء ثم يكلون المقادير بقلوب ممتلئة بالسلام الداخلي لتدبير من بيده الأمر، في حين يتأرجح الواقع بين تواكل يبرر العجز، أو ارتهان مادي صرف يفرغ القيم من نبل جوهرها؛ ومن هنا فإن الفجوة ليست قدرًا محتومًا، بل هي ميثاق وجداني لإعادة بناء الوعي، ليعود الصيام معراجًا لصناعة الإرادة، وتغدو الأخلاق عنوان صدق، ويستحيل التوكل ميزانًا يجمع برقة بين إحكام السعي وصفاء اليقين.. اللهم اجعل صيامنا صيام الصادقين، وقيامنا قيام المخلصين، وارزقنا نصرًا على أنفسنا يتبعه نصر لديننا وأمتنا.