محمد نبيل محمد

حكايات الولاد والأرض 13.. زوجة الشهيد أحمد عبد المحسن: قتل الموت مرتين ونال الشهادة وهو صائم

الجمعة، 06 مارس 2026 05:00 ص


لم تعلم كيف انتقلت من بيتها إلى المستشفى بعد هذا التليفون الذى أخبرها أن البطل بخير الحمد لله، لكنه فى مستشفى كوبرى القبة العسكرى.

كانت تلتقط أنفاسها الغرقى فى بحر لجى وهى التى تكرر على مسامعها :"إن شاء الله بخير حيكون بخير". وتطمئن نفسها وتتمسك بالإيمان الذى تعقد عليه الأمل، وتقاطع حديث الطمأنينة لنفسها وهى تصعد درج السلم وكأنها تصعد بشق الأنفس إلى السماء، وهى التى لم يطق صبرها أن تقف أمام المصعد تنتظر الضوء المتنقل هبوطا من طابق إلى سابقه، وعدت تستبق الريح أو كانت الريح تحملها، حتى استقر بها المقام أمام الممرضة لتسألها وهى متحركة ناحية يسار الطرقات، وكأن صوت حبيبها الأقرب لقلبها يجيبها من ناحيته بمكانه، وتسبق الممرضة والأخرى قبل أن تنطق بلسانها تشير إليها باليد لتسرع بإجابة لهفة الزوجة علها تهدء من روعتها.

وتقبض الزوجة أنفاسها مع قبضتها على مقبض الباب وتقبض بجفنيها طويلا، هى لا تريد أن تتنفس، ربما لأنه لا يوجد هواء يحيطها ولا ترغب فى فتح عينيها حتى لا ترى كل الصور التى عاندتها وهى آتية، وتتالت على خاطرها وهى جاهدة تبعدها وتلقى بها وراءها، ولكنها اجتمعت كلها الآن.

لذا قررت ألا تفتح الباب، وناداها الصوت الذى اعتاد أن يقويها: "ادخلى.. ادخلى يا رشا.. يا دكتورة حبيبك مريض ومحتاج لك"، فتجمعت قواها المبعثرة وانفتح الباب، ولا تعلم هى من فتحه نيابة عنها ليريحها من هذا العناء الذى كاد يبدد خلاياها كما الليل البارد الذى يقتل ضوء النهار الدافىء.

تدخل.. تسرع جاثية فى خطوة واحدة توصلها إلى سريره، تقبض على يديده تقبلها، وترطبها ببرودة وجنتيها المتجمدتين من نبض متباطئ وأوردة متصلبة، متشنجة، وتعاجله بالعتاب وعيناها المملوءان بالوجد وجبهتها الساجدة ناحة الأرض حامدة لله: " تانى.. تانى يا أحمد.. مش كفاية ألغام بقى، وتنهمر انهار الدمع حتى كادت أن تتوقف مع العبرات أنفاسها المتلاحقة وشارف القلب على التوقف.

واستشعر الفارس طريح الفراش بأن عليه ان يقاتل هذا الخوف الذى تملك حبيبته وكاد يفتك بها، فاستجمع قواه وجعل بيد تربت على كتفها وأنامله الأخرى تتخلل خصلات شعرها فى رقة هادئة وبصوت ثابت حازم قال لها: "ده لغم جبان زى أخوه اللى فات بيضرب فى الضهر، لو كان راجل كان جه فى صدرى، كانت صورتك انتصرت عليه" وضحك وويقهقه حتى ينقذ حبيبته من انفراد الخوف بها.

وتنجح خطته وتستجمع هى أنفاسها وترفع برأسها التى ألقتها على صدره، وتنظر إليه بعين المحبة تدلل معشوقها بعدما تفحصته كما الام تتحسس وليدها واطمأنت على حاله، وقالت له:" امتى نرتاح من كل ده" أجابها بعفوية الحدس: "قريب جدا.. قريب جدا نرتاح كلنا وتطمنى علىّ" أقنعت هى نفسها بتلك الإجابة التى أطاحت بثوابتها!    

تهدأ رويدا رويدا أنفاسها المتلاحقة، وتقبض على صورة فارسها بكلتا يديها، وتضمها إلى صدرها وتتكئ برأسها عليه، ويبدو أنها اعتادت هذه الحال.

وتبدأ البطلة الدكتورة رشا حكاية بطلها الشهيد أحمد: "ست سنوات عمر خطوبتى مع أحمد، كانت مليئة بالدفء والنضج، كنت أراه عطوفا وحنونا مع حزمه وجده، دائما ما كنت أحمد الله فى صلواتى أن أهدانى هذا الخطيب الذى كان نموذجا فى إتقانه لعمله وإخلاصه فى عبادته.

كان بارا بوالده مطيعا له حتى أنه أخفى عليه ما قد يتصور انه يؤلمه فلم يخبره بعمله بسيناء ولم يخبره عن إصابتيه المتتاليتين، ولم يعلم والده بحاله إلا بعد استشهاده.. لهذا الحد كان بارا بوالده، وكان معينا لأخوته محمد وهيثم وإسلام وعبدالعزيز وحسين وأسماء ورشا ونورهان، حتى أن جميعهم كانوا يتنافسون على حبه والقرب منه، وقلبه كان يتسع بالحب لهم جميعا، وكان سمحا رئيفا بجيرانه ولكل من يطلب منه معروفا وإن لم يكن على صلة ما به.

وتعود الزوجة البطلة لتسرح مع فارسها طويلا ومرة أخرى تنظر لصورته وتشرع فى الحكى عنه منذ ميلاده، وكأنها أمه البديلة عن والدته التى توفيت وهو فى سن الثانية عشر: "ولد حبيبى فى الثامن والعشرين من يوليو لعام 1976 وبعد مهده التحق بمدرسة ابن رشد الابتدائية والتى أطلق عليها اسم الشهيد بعد استشهاده.
وفارقته والدته وهو مازال صغيرا بمدرسة الأميرية الإعدادية، وثم التحق بمدرسة النقراشي الثانوية حتى اقترب من تحقيق حلمه والتحاق بالكلية الحربية 1995 ثم تخرج فيها 1998 بالدفعة 92 حربية بسلاح المشاة، وأقبل على العلوم العسكرية بصقل معارفه التخصصية ونال ماجستير العلوم العسكرية 2009.

ولم يكتف طموحه عند هذا الحد بل سعى لنيل الدكتوراة فى فلسفة العلوم العسكرية، وأتم دورة إعداد مبكر للقادة، وتقدم لبعثات حفظ السلام بقوات حفظ السلام بالسودان 2010، ونال ماجيستير العلوم العسكرية من كينيا 2015، وتدرج فى وظائفه القيادية حتى قائد كتيبة مشاة بسيناء بكرم القواديس، ثم قائد قطاع الجورة بالشيخ زويد.

ويبدو أن حبه لسيناء مكنه من قتل الخوف، وربما إنه بالفعل قد قتل الموت مرتين، وكانت المرة الأولى عندما انفجر لغم بمدرعته وكان متجها مع زملائه لتنفيذ إحدى المهام بكرم القواديس، وأصابه انفجار اللغم الذى كاد يودى بحياته بشظايا بالساقين فى أكتوبر 2017.

وعندما ذهبت إليه بمستشفى كوبرى القبة العسكرى وكان ابننا مؤمن صغيرا ممسكا بيدى جزعا مما قد يراه فى والده الذى كان صاحبه وليس أبوه فقط، وأفلت يده من قبضتى واسرع يقبل يمين والده، وما إن رأيت هذا المشهد حتى توجهت بقلبى إلى الله شاكرة أن من على بنعمة الزوج المحب لوطنه والابن البار بوالده.

وقال لى أحمد: "الآن بعد بوسة مؤمن وضحكتك الحلوة ديه أنا خفيت خلاص".

ويحتضن بيمينه مؤمن وبيساره رأسى ويضمنا إلى صدره ويقول للسماء: "الحمد لله فى مكافأة يا ربى على اللى عملتوا لبلدى بإخلاص أكتر من كدة: ابن صالح، وزوجة صالحة الحمد لله يا ربى".. ويربت على كتفى ويقول: "أنتوا كدة ادتونى قوة أروح سيناء تانى وتالت"، وكان يذهب على الكرسى المتحرك لزيارة رجاله المصابين، وهم فى فرح شديد من زيارة قائدهم لهم حتى أن أحدهم ذكره: "فاكر يافندم بعد الانفجار قلت لينا إيه؟".. فهز البطل رأسه وكأنه يرى ما يحكيه المجند المقاتل، وويعاود المجند المقاتل يذكر نفسه وزملاءه وقائده بمن سبقوهم: "قوموا يا رجاله بصوا أبطالكم الشهداء عملوا إيه؟!" ويبكى القائد ويبكى رجاله بعنبر الجنود على هؤلاء الذين سبقوهم بالإيمان.

أما الإصابة الثانية فكانت بقطاع الجورة بالشيخ زويد، بسبب انفجار عبوة أدت إلى كسر بضلعين بقفصه الصدرى، وكسر بفقرتين من العمود الفقرى، وتهتك بالرئة، وكانت فى أغسطس 2020 قبل الاستشهاد بستة اشهر, وتلك الاصابة الثانية هى ما اخذت بكل قواى وخارت معها عزيمتى وكطبيبة انا اعلم انه من المستحيل ان تعود له لياقته الصحية بسب الكسر المضاعف بفقرتين بعموده الفقرى ربما تتعافى إصابته بكسر الضلعين، ولكن تهتك الرئة سيترك عليه أثارا مستمرة بالشعور بالإجهاد، وكنت أنصحه يوميا طيلة بقائه بالعلاج بالمستشفى أن يكتفى بالمرتين الذى كاد أن يفارقنا بسببهما , وانه قد ادى ما عليه باخلاص تجاه وطنه.

وفى ذات مرة سمعت طبيبه المعالج يقول له: "كفى يا بطل.. أنت ماشبعتش عمليات فى سيناء على الأرض، وعمليات هنا فى المستشفى على السرير".. فرأيته ينادى على الطبيب ان يقترب منه ويهمس إليه: "يعنى يرضيك يا دكتور بعد كل ده أموت على سريرى زى ما قال سيدنا خالد بن الوليد بعد كل تلك المعارك يموت خالد على سريره". وهنا علمت ما ينتويه أحمد وما يخطط له، فهو قد انتصر على الخوف وقتل الموت مرتين فى سيناء، فلا شك أنه يريد ما هو أعظم من الحياة".

تصمت الزوجة البطلة وتقول تخيل كل هذا وهو كان دائما ما يقول: "أنا والد وزوج غير صالح لأننى أترك رعاية أولادى لك وحدك، ودائما ما كان يعتذر لى فى كل مرة يتصل بها علينا من سيناء ويقول سامحينى أنا عارف إنى مقصر معاكم.. بس أنا عارف أنك قدها ومتأكد أن ربنا ح يعوضنى فيكم كل خير".
وتتذكر: "عندما مرضت أنا وأبنائى مؤمن وملك ومحمد بفيروس كورونا، كان يتألم أنه فى سيناء ولا يستطيع أن يفعل أى شىء من أجلنا، ولما استشعرت أنه يجلد نفسه لبعده عنا قلت له: "أنت مخلص لربك فى سيناء تفتكر حا يسيئك فينا، أبدا يا أحمد.. إحنا كويسين ويجى إيه اللى إحنا فيه الآن قدام اللى أنت فيه ربنا يحفظك لينا وترجع بالسلامة".

وتتذكر أيضا: "تخيل عشت سبعة عشر عاما مع أحمد، قبل استشهاده بأيام حسباناه مع بعض ما طلعش منهم أكتر من خمس سنوات، هما اللى قضاهم معانا، لدرجة إن أكبر فترة أخدها إجازة كانت فى حج عام 2017 والتى تمنى أنى أكون معاه ولم نوفق فى ذلك، وتانى فترة قضاها معانا بعد ما نزل مرة إجازة وزرنا ماما، وكان عندها اشتباه كورونا، وبعد ما وديناها المستشفى انتقلت العدوى له، واضطر للبقاء بالبيت لمدة عشرين يوما، حتى لا يعدى زملاءه بالكتيبة، وبعد أن تعافى وانقضت فترة العدوى سافرإلى وحدته بسيناء، وقبلها اتفق معى على صيام كل رجب وكل شعبان عندما قلت له نصوم أنا والأولاد هنا كل اثنين وخميس، وانت صوم معانا وأنت هناك فى سيناء".

وتتردد البطلة فى استكمال حكيها عن فارسها ويبدو أنها اقتربت من أمر جلل، فأخرجت الصورة من حضنها لتنظر إليها وتشرع فى إكمال حديثها معه وكأنه شاخص أمامها: "فاكر يا أحمد لما اتفقنا على الصيام كل رجب وكل شعبان علشان لما تفطر أفطر معاك أنا والولاد، ساعتها قلت لى: "كفاية عليهم اثنين وخميس خليكى أنت معايا كل يوم، وعلى طول إن شاء الله".. كنت تقصد إيه بقى من خليكى معايا على طول؟!.. مين بقى دلوقتى اللى نقض وعده وساب التانى؟!

تصمت السيدة وتقترب من صورته كأنه يهمس إليها بما لن يسمعه غيرها، فتبتسم وتقول: "ما أنا عارفه بس كنت عايزة أسمعها منك، أنت عارف إن كل شوية أحب أسمع الكلام ده منك"، وتبتسم المرأة، وتحاول أن تخفى هذا الوله وذاك الوجد، عبثا بلا جدوى، وتعود لتحكى: "خرج مع زملائه فى مهمة مداهمة لأحد الأوكار شديدة الخطورة، ولعلمه بخطورتها أمر رجاله ألا يدخلوا معه هذا الوكر، وعليه أن يستكشفه أولا خوفا عليهم، وإذا بشراك خداعى ينزع صمام الامان عن اللغم، ويدوى الانفجار ممزقا جسد حبيبى، صاعدا بروحه الطاهرة التى أشهد أمام الله على إخلاصه فى عمله لله ولصالح وطنه".

وترفع البطلة رأسها إلى السماء محدثة ربها: "اللهم تقبله عندك من الشهداء وأكرمه بما وعدته فى حجه، يوم أن وقف لك فى عرفة، فهو قد أعلمنى أنه قد أسر إليك بطلب الشهادة، ويخلص فى سعيه إليها، حتى أنه قد أحضر من المدينة عطر واختصه لنفسه ليوضع على نعشه تقربا فى حب سيدنا النبى صلى الله عليه وسلم وبارك، على أن يكون فى رفقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك، فأكرمه بالصحبة يا كريم".

إفطار جماعى
إفطار جماعى

 

البطل الشهيد
البطل الشهيد

 

الشهيد وسط أبطال القوت المسلحة
الشهيد وسط أبطال القوت المسلحة

 

الشهيد وسط العائلة
الشهيد وسط العائلة

 

الشهيد
الشهيد

 

بطل القوات المسلحة
بطل القوات المسلحة

 

رجال القوات المسلحة مع شيوخ سيناء
رجال القوات المسلحة مع شيوخ سيناء

 

رجال القوات المسلحة
رجال القوات المسلحة

 

زوجة الشهيد احمد عبد المحسن  فارسى قتل الموت مرتين وفى الثالثة نال الشهادة وهو صائم
زوجة الشهيد احمد عبد المحسن فارسى قتل الموت مرتين وفى الثالثة نال الشهادة وهو صائم

 

صورة الشهيد فى العمرة
صورة الشهيد فى العمرة

 

عائلة الشهيد
عائلة الشهيد

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة