هبة مصطفى تكتب: الوهم والصراع الأبدي

الخميس، 05 مارس 2026 07:45 م
هبة مصطفى تكتب: الوهم والصراع الأبدي هبة مصطفى

ليس الخطر على الإنسان من عدو بل من وهم يراه، فمنذ فجر الخليقة، والصراع قائم بين الحق والباطل، بين النور والظلام، بين إرادة الإنسان والوسوسة المهيمنة للشيطان. لكن الأخطر اليوم أن يتحول هذا الصراع من معركة وعي وإيمان إلى تجارة تباع فيها المخاوف، ويستثمر فيها ضعف الناس والاحلام المعجلة والمستحيلة بالمنطق والشرع والدين وكل أدوات المنع وارتداء الأوهام ثوب الدين.

عزيزي القارئ نحن لا نواجه عالما خفيا بقدر ما نواجه عقولا تدار بالخوف والرغبة، وقلوبا تستنزف بالشك، وأموالا تدفع ثمنا لوهم ما أنزل الله به من سلطان. فلا تجعل خوفك يدار، ولا إيمانك يستغل، ولا عقلك يباع. قف ثابتا فالحق والمنطق الحياتي لا يحتاج إلى وسطاء، والله لا يحتاج إلى سماسرة، ومن كان مع الله فلن يغلب ولو اجتمع عليه العالم كله.

افهمها جيدا.. الشيطان لا ينتصر لأنه أقوى، بل لأنه يجد من يصدقه أكثر مما يصدق خالقه. من ترك باب الله وطرق أبواب الوهم أضاع الطريقين. ومن ثبت يقينه، وعرف أن الضر والنفع بيد الله وحده، عاش حرا ولو حاصره الخوف من كل جانب.

نعم عزيزي القارئ مقالتي اليوم عن موضوع الساعة بل عن القضية القائمة إلى يوم الدين. إنه الصراع الذي بدأ منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان، تذكر فإن الذكرى تنفع حين خلق آدم ورفض إبليس السجود تكبرا وعنادا. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الصراع بين الطاعة والهوى، بين النور والظلمة، بين الإنسان ووسوسة الشيطان صراعا أبديا.

عزيزي الإنسان كثيرون يعلقون تقصيرهم على شماعة الشيطان، وكان الإنسان مسلوب الإرادة. المشكلة ليست في وجود الشيطان للمرة المليون بل في تضخيم حضوره حتى يصبح اقرب الينا من إرادتنا.

ففي كل أزمة سحر. في كل فشل حسد. في كل تعثر عمل مدفون. وكان الإنسان بلا قرار بلا مسؤولية بلا تقصير. بينما يؤكد العلماء ان الشيطان يوسوس ولا يجبر، وأن المسؤولية تظل على عاتق الإنسان. إذن فالصراع ليس حجة نختبئ خلفها، بل اختبار نرتقي به. فكيف نواجه هذا الامر؟.

الإيمان بوجود عالم خفي حقيقة دينية ثابتة، لكن المشكلة ليست في الإيمان به بل في الانشغال به. هناك عوالم لا نراها، لكن الله لم يكلفنا بإدارتها ولا بمحاربتها، بل كلفنا بإدارة أنفسنا. والخطر الحقيقي اليوم ليس في وجود الشر، بل في تسويقه. إعلانات تبيع الوهم، وتخرج الخيال إلى حيز الواقع مقابل المال، وتستغل خوف الناس وضعفهم. يقنعونك ان الحل في يدهم، وأن النجاة تمر عبر بابهم وما خفي كان أعظم.

وللأسف هؤلاء يتكئون على حجة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، ويتناسون أن الله أنزل العلاج، وأن الوحي لم يترك معلقا، بل جاء بالحل والبيان. القرآن لم يذكرنا بالابتلاء ليزرع فينا الخوف، بل ليعلمنا الثبات. قال تعالى وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله أي أن الضر لا يقع إلا بإرادة الله، فكيف نترك باب الخالق ونطرق أبواب المخلوقين؟
لماذا يا أخي الإنسان ترى وتعلم ثم لا تتعلم؟

تهرع إلى الصلاة بلسانك، ثم تتحالف مع الوهم بقلبك. تخاف من الشيطان وتنسى خالق الشيطان.
عزيزي القارئ عفوا اترك الخلق للخالق. ركز على نفسك، على اهدافك، على بيتك واهلك. لا تنظر في طبق غيرك، ولا تعش بمنطق لنر من سيضحك اخيرا. هذا الطريق يفتح ابواب الاذى، ويغذي الغيرة، ويقودك الى دوامة تدفع فيها مالك وطمانينتك، وتبتعد خطوة بعد خطوة عن يقينك.
صدقني المعركة الحقيقية ليست مع عالم خفي بل مع خوف غير مبرر، ووهم يسوق، ونفس تحتاج الى تثبيت. وغلب الشهوات الدنيوية والاعتقاد السائد هو الخلود الابدي.
وكعهدكم بي الحل في الاعلام. فلا يمكن ان نغفل دور الاعلام في هذه القضية. فليس مجرد ناقل للاحداث، بل صانع وعي وموجه للراي العام. ومن هنا تأتي مسؤوليته الحيوية في الحد من هذه الظواهر، لا بتضخيمها او اثارتها بحثا عن نسب مشاهدة، بل بكشف حقيقتها. فعلى الاعلام ان يسلط الضوء على خطورة استغلال خوف الناس، وان يفضح اساليب الدجل التي تسوق في صورة علاج روحي او حلول سريعة. كما ان من واجبه استضافة اهل العلم المتخصصين في الدين والنفس والاجتماع لتقديم خطاب عقلاني يرسخ الفهم الصحيح ويحصن المجتمع. وتزداد مسؤولية الإعلام حين يتعلق الأمر بأهل القرى النائية والمناطق البعيدة عن مصادر المعرفة المباشرة. فهناك حيث يقل الاحتكاك بالعلماء والمتخصصين، وتضعف حملات التوعية، يجد الوهم بيئة خصبة لينمو. ويستغل بعض ضعاف النفوس بساطة الناس واحتياجهم، فيبيعون لهم الخوف على أنه علاج، والقلق على انه بصيرة.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة