خمسة أيام مرت على اشتعال "الغضب الملحمى"، ولا تزال سماء الشرق الأوسط محبوسة الأنفاس بين مطرقة المسيرات الانتحارية وسندان الغارات الجراحية، ومع اتساع رقعة الحريق لتطال دفاعات دول الجوار، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف ستضع هذه الحرب أوزارها؟ ومن الممكن أن تكون الإجابة مخبأة في كواليس "استراتيجيات الخروج" التي لا تزال غامضة في أروقة واشنطن، بينما تبدو في تل أبيب وكأنها فرصة تاريخية لا تتكرر لتغيير وجه المنطقة للأبد.
داخل البيت الإيراني المترنح تحت ضربات قاسية، يبدو أن هناك انقساماً غير معلن يعيد تشكيل المشهد؛ فبينما قد يميل تيار "المعتدلين" نحو قوارب النجاة الدبلوماسية، يصر الحرس الثوري على رفع كلفة الحرب إلى مستويات غير مسبوقة.
ومن الممكن أن تُفهم الاستراتيجية الإيرانية الحالية بأنها محاولة لـ "عولمة الألم"، عبر ضرب المصالح والقواعد الأمريكية في كل اتجاه، لإيصال رسالة مفادها أن الاستقرار لن يكون متاحاً لأحد إذا ما سقط النظام، لكن هذا الرهان المحفوف بالمخاطر قد ينقلب وبالاً، حيث يجد النظام نفسه في "عزلة دبلوماسية" خانقة، تترك الباب مفتوحاً فقط أمام لغة الميدان.
بعيداً عن أزيز الطائرات، يبدو أن هناك حرباً أخرى تدور في الظل؛ حرب الأوراق القومية والمحلية، ومن الممكن أن تشهد المرحلة القادمة تحولاً استراتيجياً أمريكياً نحو دعم القوى المناهضة للنظام في الأطراف، واستغلال لحظة الضعف الراهنة لتحريك جبهات داخلية قد تنهك الدولة من الداخل. وبينما يراهن البعض في واشنطن على "قنوات خلفية" للوصول إلى تسوية تضمن عودة الأمريكيين لديارهم، يبدو الجانب الإسرائيلي وكأنه بدأ بالفعل مرحلة "الجهد البري" عبر عمليات نوعية لقوات خاصة، تهدف لزعزعة الهيكل الهرمي الذي تصر طهران على تماسكه.
يبقى الهاجس الأكبر الذي يطارد صناع القرار هو تحول هذه المواجهة إلى "حرب استنزاف" طويلة الأمد، تعيد للأذهان سيناريوهات الغزو الأمريكي للعراق بتداعياته الوخيمة. ومن الممكن أن تجد واشنطن نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما المضي قدماً نحو "تفكيك جراحي" للنظام مع تحمل كلفة المليار دولار يومياً، أو البحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. وبين هذا وذاك، تظل الخارطة الإيرانية مرشحة لإعادة رسم حدودها جغرافياً وسياسياً، في مشهد يجمع بين صمود المؤسسات الإدارية في طهران وبين مطارق الخارج التي لا تتوقف عن الضرب.
وعلى الرقعة المائية الأكثر حيوية في العالم، تحول مضيق هرمز من ورقة ضغط إيرانية إلى ساحة لفرض واقع جديد، لنجد أن قرار البحرية الأمريكية بمرافقة ناقلات النفط عسكرياً هو بمثابة "إعلان وصاية" صريح، يجرّد طهران من أهم أسلحتها الاستراتيجية، ومن الممكن أن نرى في هذا التحرك محاولة لكسر شوكة "الحرس الثوري" الذي طالما لوح بإغلاق الشريان الحيوي للطاقة. إنها حرب "كسر إرادات" تجري فوق الماء وتحته، حيث تتسابق الغواصات والمدمرات لرسم حدود نفوذ جديدة، في وقت يبدو فيه أن "قواعد الاشتباك" القديمة قد احترقت تماماً بنيران الصواريخ.
لا يبدو أن غياب "المرشد" سيمر بهدوء، فمن الممكن أن تشهد الأيام القادمة مخاضاً عسيراً لولادة قيادة جديدة تحت وطأة القصف، ليتردد اسم "مجتبى خامنئي" في تقارير الاستخبارات الأمريكية كمرشح أوفر حظاً، يضع النظام أمام معضلة: هل ينجح "الوريث" في لم شتات المؤسسات المتصدعة؟ أم أن الانقسام بين الحرس الثورى الراغبين في توسيع دائرة الصراع، وبين "المعتدلين" الباحثين عن مخرج دبلوماسي، سيؤدي إلى انهيار الهيكل من الداخل؟ المثير للدهشة هو إصرار بعض الأطراف الإيرانية على أن منظومة الدولة لا تزال متماسكة، رغم أن نيران الحرب بدأت تلامس أطراف الحدود وتثير قلق الجيران.