عبر التاريخ تظل الدول المحورية الكبرى أساس كل التحركات، فهي التي تستطيع أن تدير مواقفها وأزماتها، وتحتوي المخاطر والتحديات، بما لديها من خبرات في المواجهة وعلاقات إقليمية ودولية.
عندما تتصاعد حدة التوتر الإقليمي وتفاقم الأزمات، لا تقاس قوة الدول بقدراتها العسكرية فقط، بل بمدى قدرتها على إدارة ملفاتها، واحتواء المخاطر، ومنع الانزلاق إلى ما لا يحمد عقباه.
في الأيام القليلة الماضية، جددت مصر قدراتها وسياستها في إدارة واحد من أهم ملفات التوتر في المنطقة، وهو الصراع الأمريكي الإيراني والمواجهات المسلحة التي نتجت عنه.
وهنا برزت مصر باعتبارها دولة محورية لا تكتفي بمتابعة المشهد أو الجلوس في موقع المشاهد، بل تتحرك فيه بوعي وحسابات دقيقة، انطلاقا من مسئوليتها التاريخية وموقعها الجغرافي ودورها العربي الراسخ والمؤثر.
لعل أخطر ما في الحروب الحديثة، ليس فقط ما تمتلكه الأطراف من أدوات وأسلحة قتال متطورة، بل ما قد ينجم عن قرار خاطئ في لحظة مشحونة بالتوتر. فالتقديرات السياسية غير الدقيقة، أو سوء قراءة نوايا الطرف الآخر، قد تحول مناوشة محدودة إلى مواجهة واسعة تتجاوز حدود أطرافها المباشرين، لتطال الإقليم بأسره.
في هذا الإطار، جاء التحذير الواضح من مخاطر الحسابات الخاطئة وما يترتب عليها، باعتباره رسالة عقلانية تدعو إلى التهدئة وضبط النفس. وهو ما شدد عليه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية في حفل إفطار القوات المسلحة قبل أيام.
الحروب لم تعد شأنا ثنائيا بين طرفين أو عدة أطراف، بل باتت ذات تأثير ممتد في الاقليم والعالم، تتشابك فيها المصالح وتتعاظم فيها الخسائر، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار المجتمعي.
الدعوة إلى الحكمة ليست تعبيرًا إنشائيا عن حذر ما، بل هي إدراك عميق لتعقيدات المشهد بتفاصيله وتشابكاته.
"محورية مصر"، تتجسد في كونها وسيطا إقليميا فاعلا في خضم هذا المشهد المضطرب والمعقد، لم تجلس مصر في موقع المتفرج، بل تحركت في إطار دبلوماسية هادئة ورشيدة وفاعلة، تستهدف تقريب وجهات النظر ومنع التصعيد، والحفاظ على استقرار الإقليم.
التحرك المصري - كملفات عدة - اتسم بالهدوء والابتعاد عن الضجيج الإعلامي، مع استمرار التواصل مع الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، لتنسيق المواقف وتوحيد الرؤى، حول ما تشهده من تهديدات.
هذا الدور المحوري يعكس ثوابت السياسة المصرية، القائمة على دعم الأمن القومي العربي، ورفض الاعتداء على الدول الشقيقة، والعمل على تثبيت ركائز التوازن في المنطقة.
دولة بحجم مصر، وثقلها السياسي ومكانتها الإقليمية، تمثل ركيزة استقرار، وصوتا قويا ومسموعا يدعو إلى التعقل وتغليب الحلول السياسية على منطق المواجهة.
في موازاة التحرك الخارجي، حملت الكلمة رسالة واضحة إلى الداخل المصري، تؤكد جاهزية الدولة وقدرتها على حماية أمنها القومي في بيئة إقليمية ملتهبة. فمصر جزء من هذا الإقليم، تتأثر بما يدور حولها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك من أدوات الردع والقوة ما يمكّنها من صون حدودها ومصالحها.
رسائل الطمأنة التي أدلى بها الرئيس لم تكن مجرد كلمات، بل تعبيرًا عن ثقة في مؤسسات الدولة، وقوة تماسكها، وقدرتها على إدارة الأزمات.
طمأنة المواطنين في أوقات التوتر عنصر أساسي من عناصر الاستقرار، يعزز الثقة بين الدولة وشعبها، ويؤكد أن التعامل مع التحديات يتم برؤية استراتيجية لا بردود فعل آنية.
هنا تتشكل معادلة متوازنة قائمة على التحذير من مخاطر سوء التقدير، وتحرك دبلوماسي نشط لتقريب وجهات النظر، ورسالة داخلية تؤكد الثبات والاستعداد.
هي ببساطة مقاربة تجمع بين العقلانية الاستراتيجية والحزم المسئول، وتؤكد أن إدارة الأزمات لا تقوم على الانفعال السريع، بل على حسابات دقيقة ومدروسة تستهدف حماية الأمن والاستقرار.
في لحظات الاضطراب الكبرى تتضح قوة ومعادن الدول، مصر بتاريخها وموقعها وثقلها، تواصل أداء دورها كحائط صد عربي، وركيزة توازن إقليمي.
مصر تدرك تماما حجمها الإقليمي وقدرتها على التأثير.. وهو ما يتجسد في خطابها السياسي.