أحمد إبراهيم الشريف

الله الظاهر والباطن

الخميس، 05 مارس 2026 11:09 ص


الإنسان بطبيعته يعيش بين ما يرى وما لا يرى، يرى وجوه الأشياء القريبة منه، ويظن أنه أحاط بها فهمًا ومعرفة، ثم يكتشف مع مرور الوقت أن وراء هذا الظاهر معاني أعمق لم تكن بادية له من قبل، ومن هنا يجيء اسما الله "الظاهر" و"الباطن" ليضعا الإنسان أمام معنى واسع في فهم العالم.

ورد اسما الله الظاهر والباطن في القرآن الكريم، في قوله تعالى: "هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (الحديد: 3).

وجاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ فسّر هذه الأسماء فقال "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (رواه مسلم)، وهذا التفسير النبوي يبين أن هذه الأسماء ليست مجرد ألفاظ، بل هي بيان لصفات الكمال الإلهي التي تحيط بالوجود كله.

ويدور معنى اسم الله الظاهر في اللغة حول الظهور والعلو والوضوح، يقول ابن منظور في لسان العرب: "الظَّهْر خلاف البطن، والظاهر من كل شيء ما علا وبان"، ومنه قيل لما بدا واتضح: ظاهر. ويذكر ابن فارس في مقاييس اللغة أن أصل مادة (ظ هـ ر) يدل على العلو والبروز والوضوح، ومن ذلك الظَّهْر لعلوّه، والظهور بمعنى الغلبة والارتفاع، وعلى هذا الأساس فاسم الله الظاهر يدل في اللغة على الذي ظهر فوق كل شيء وعلَا عليه، أو الذي تتجلى آثاره وآياته في الكون ظهورًا لا يخفى.

أما اسم الله الباطن فمأخوذ من مادة (ب ط ن) التي تدل في أصلها على الخفاء والدخول إلى داخل الشيء، يقول ابن منظور في لسان العرب: "البَطْن ضدّ الظَّهْر، والباطن من كل شيء ما خفي واستتر". ويذكر ابن فارس في مقاييس اللغة أن مادة (ب ط ن) تدل على داخل الشيء وخفائه، ومن هنا جاء وصف الله سبحانه بأنه الباطن، أي الذي لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول، وهو مع ذلك محيط بكل شيء علمًا.

واسما الله الظاهر والباطن في كتب التفسير، يقول الطبري في تفسير الآية إن معنى الظاهر هو العالي فوق كل شيء بقدرته وسلطانه، وأما الباطن فهو القريب من خلقه بعلمه وإحاطته، ويذكر ابن كثير أن الله ظاهرٌ فوق خلقه، بائنٌ عنهم، ومع ذلك فهو باطن بعلمه فلا يخفى عليه شيء من أحوالهم.

وفي كتب العقيدة عند أهل السنّة والجماعة يفهم اسما الله "الظاهر" و"الباطن" على أنهما يثبتان كمال الإحاطة مع كمال العلو؛ فـ"الظاهر" يُفسَّر بالعلوّ والفوقية: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء"، و"الباطن" يُفسَّر بالقرب والإحاطة: "وأنت الباطن فليس دونك شيء"، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم.

وشروح العقيدة (ومنها شروح العقيدة الواسطية) تقرّر أن اجتماع هذه الأسماء الأربعة في آية الحديد: "هو الأول والآخر والظاهر والباطن" يدل على أن الله محيط بكل شيء: فالأول والآخر إحاطةٌ بالزمان، والظاهر والباطن إحاطةٌ بالمكان؛ ومع ذلك فـ"الظاهر" دالٌّ على علوّ الله فوق خلقه، و"الباطن" يدل على قربه وإحاطته بعباده علمًا دون أن يلزم من ذلك حلولٌ أو امتزاج.

وعليه فإن الله الظاهر الذي تبدو آياته في الكون، والباطن الذي لا تخفى عليه خافية في القلوب، وبين هذين الاسمين يعيش الإنسان مطمئنًّا، يرى بعض الطريق بعينيه، ويثق أن ما خفي عنه محفوظ في علم الله، الذي أحاط بكل شيء علمًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة

اسم الله الوهاب

الأربعاء، 04 مارس 2026 11:00 ص

الرجوع الى أعلى الصفحة