في وقت تتسع فيه رقعة المواجهات العسكرية في عدد من ولايات السودان، وتتزايد فيه كلفة الحرب على المدنيين بين قتلى وجرحى واستهدافٍ للمستشفيات والأسواق، يبرز وجهٌ آخر للأزمة لا يقل خطورة: تفشي الأمراض في بيئة أنهكتها الصراعات وتراجع الخدمات.
فبينما تتصاعد الضربات بالطائرات المسيّرة في جنوب كردفان وتطال المرافق المدنية والطبية في مدن أخرى، تعلن السلطات الصحية في الولاية الشمالية تسجيل إصابات جديدة بحمى الضنك، في مشهد يعكس تداخل الأزمات الأمنية والإنسانية والصحية.
هذا الواقع المركّب يضع المدنيين بين شقي كماشة: نار النزاع المسلح من جهة، ومخاطر الأوبئة وتدهور البنية الصحية من جهة أخرى، في ظل تحذيرات من أن استمرار القتال وتعطّل الخدمات الأساسية قد يفتح الباب أمام موجات انتشار أوسع للأمراض، ويضاعف من حجم المعاناة في بلد يواجه واحدة من أعقد أزماته في السنوات الأخيرة.
الدعم السريع تستهدف مستشفى فى مدينة الأبيض وتصيب 12 بينهم كوادر طبية
أعلنت شبكة أطباء السودان سقوط ضحايا جراء استهداف قوات الدعم السريع للمستشفى البريطاني بمدينة الأبيض، مؤكدة إصابة 12 شخصًا، بينهم خمسة من الكوادر الطبية أثناء تأدية عملهم داخل المنشأة، فيما وُصفت بعض الإصابات بالخطرة.
وأوضحت الشبكة أن الهجوم وقع في وقت كان فيه الطاقم الطبي يباشر مهامه في تقديم الرعاية الصحية للمرضى، ما أدى إلى وقوع الإصابات وسط العاملين والموجودين داخل المستشفى، في تطور خطير يعكس تصاعد استهداف المرافق المدنية والطبية.
وشدد البيان على أن سقوط ضحايا داخل منشأة صحية يُعد انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يضمن حماية المستشفيات والطواقم الطبية أثناء النزاعات، محذرًا من أن استمرار مثل هذه الهجمات يضاعف أعداد الضحايا ويهدد حياة المرضى ويقوض قدرة المستشفى على تقديم خدماته الحيوية.
وطالبت الشبكة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتدخل العاجل لضمان حماية المرافق الطبية والعاملين فيها، ووقف استهدافها، تفاديًا لمزيد من الخسائر في الأرواح والإصابات بين المدنيين والكوادر الصحية.
الدعم السريع تستهدف الدلنج بالطائرات المسيرة.
ومن جهة أخرى لقي عدد من المدنيين مصرعهم وأصيب آخرون، جراء قصف بطائرات مسيّرة استهدف مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، في هجوم نُسب إلى تحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو. وأفادت مصادر محلية بوقوع خسائر بشرية كبيرة وسط السكان، إلى جانب إصابات متفاوتة الخطورة.
وبحسب المصادر، طالت الضربات الجوية أحياء المك والمرافيد وكجنق والحلة الجديدة، ما أدى إلى دمار واسع في المنازل، كما تضررت متاجر في سوق الدلنج الرئيسي، إضافة إلى مواقع قرب قيادة اللواء 54، وهي القاعدة الرئيسية للجيش في المدينة.
وتزامن القصف مع معارك عنيفة دارت في المناطق الفاصلة بين الدلنج وكادقلي، وسط تضارب في المعلومات بشأن السيطرة الميدانية. ويأتي هذا التصعيد بعد يوم من إعلان الجيش السوداني تصديه لهجوم شنته قوات الدعم السريع وحليفتها على المدينة.
وتسعى القوات المتحالفة، وفق مراقبين، إلى إعادة فرض الحصار على مدن جنوب كردفان الرئيسية، بعدما تمكن الجيش وحلفاؤه خلال شهري يناير وفبراير الماضيين من فك الحصار عن الدلنج وكادقلي وربطهما بولاية شمال كردفان عبر طرق وعرة، منهين عزلة استمرت قرابة ثلاثة أعوام.
وشهدت ولايتا جنوب وشمال كردفان في الفترة الأخيرة تصاعدًا في استخدام الطائرات المسيّرة، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وأضرار طالت مرافق تعليمية وصحية وأسواقًا ومنشآت إنتاجية.
ارتفاع حالات حمى الضنك فى الولاية الشمالية
وفى سياق آخر، ارتفع العدد التراكمي لحالات حمى الضنك في الولاية الشمالية إلى 116 إصابة حتى الأحد 1 مارس، عقب تسجيل خمس حالات جديدة، دون الإبلاغ عن أي وفيات، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة بالولاية.
وأوضح مركز عمليات الطوارئ، برئاسة المدير العام المكلف لوزارة الصحة ساتي حسن ساتي، أن الحالات الجديدة توزعت بواقع حالة واحدة في كل من الغريبة، العالياب، والباسا، إضافة إلى حالتين في منطقة قوز قرافي بمحلية مروي، ليرتفع بذلك إجمالي الإصابات المسجلة منذ ظهور الموجة الحالية إلى 116 حالة.
وأشار البيان إلى أن الولاية شهدت خلال الأسابيع الماضية تزايدًا في الإصابات بالأمراض المنقولة عبر البعوض، لا سيما في مناطق الزراعة والري بمحلية مروي، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق انتشار المرض حال عدم تشديد التدخلات الوقائية.
وأكد مركز عمليات الطوارئ أن الاجتماع اليومي استعرض سير الأنشطة الميدانية بمحليات الولاية، والتي تشمل تنفيذ المسوحات الحشرية، وحملات التفتيش المنزلي، وبرامج التوعية والتثقيف الصحي، وتنظيم الندوات في أماكن التجمعات، إلى جانب تكثيف جهود مكافحة نواقل الأمراض وتعزيز الرقابة الوبائية للحد من تفشي حمى الضنك.