تمر اليوم ذكرى عودة سعد زغلول ورفاقه من المنفى، وذلك في 29 مارس عام 1921، وقد استقبله المصريون استقبال الأبطال، فاحتشدت الشوارع وخرج الجميع لاستقبال زعيم الوفد، وفي ضوء ذلك نستعرض كيف كان الزعيم سعد زغلول يقضي أوقاته في المنفى.
مكرم عبيد يدون مذكراته والسلطات البريطانية تأخذها
حسب ما جاء في كتاب "سعد في حياته الخاصة" من تأليف كريم خليل ثابت، كان الأستاذ مكرم عبيد قد دوَّن مذكرات ضافية عن حياة سعد وصحبه في منفاهم في ميناء «عدن» أولًا، ثم في جزائر «سيشل» النائية، ولكن السلطات البريطانية عثرت على هذه المذكرات التاريخية عند تفتيشها لداره في بعض الظروف السياسية، فأخذتها ولم ترجعها، ففقدت الأمة بمصادرتها صفحة مجيدة من أسطع الصفحات وأغرِّها في سيرة سعد القومية، ولكن ذاكرة وزير الشباب متوقدة نيرة، ولئن كنا قد حُرمنا المذكرات التي خطتها يده، فإنا لم نحرم بعض ما وعته حافظته، فانتهزنا فرصة اجتماعنا به عقب عودته من أوروبا واقتبسنا من حديث أفضى به إلينا المعلوماتِ التاريخيةَ الطريفة التي نسردها للقراء.
سعد زغلول بين التريض والتنزه وتعلم الانجليزية
ويضيف مؤلف الكتاب في نفس الفصل: كان الرئيس الجليل يمضي أوقاته في سيشل بالتريض والتنزه تارة، ويتجاذب أطراف الحديث مع الأستاذ مكرم تارة أخرى، وكانت أحاديثهما تتناول جميع الموضوعات الفلسفية والاجتماعية والأدبية، علاوة على البحث في جميع المراحل السياسية التي اجتازتها القضية الوطنية، وقد قص سعد باشا على الأستاذ مكرم في أثنائها علاقته بالثورة العرابية وببعض الحوادث التي حدثت عند إنشاء الجمعية التشريعية، ولما اكتشف دولته أن الله حَبَا الأستاذَ مكرم بصوت شجي، كان يلح عليه بأن يسليه بإنشاد بعض القصائد المشهورة، ويقول الأستاذ مكرم إنه كان للفقيد ولع خاص بأشعار سامي البارودي باشا.
ثم خطر لسعد باشا أن يتعلم اللغة الإنجليزية على يد الأستاذ مكرم، فعكف على تلقينه أصولها ومبادئها بأسهل الطرق وأقربها إلى الفهم، فأظهر (رحمه الله) عبقرية مدهشة في تفهُّم عباراتها واستيعاب ألفاظها، ومما تَحْسن الإشارة إليه هنا أنه كان يدرس الإنجليزية في الكتاب الذي وضعه المستر مكدونلد رئيس الوزارة البريطانية الحالية عن «الاشتراكية». وكان من عادته إذا قرأ كلمة إنجليزية تشابه بنطقها كلمة فرنسية يعرفها، يطلب من الأستاذ مكرم أن يفسرها له، فإذا جاء تفسيرها مخالفًا لتفسير الكلمة الفرنسية يقول له: «أنت مخطئ»، ثم يكب على مناقشته فيها بما اشتهر به من حب الجدل والمناقشة، وأخيرًا فكر الأستاذ مكرم في حل لطيف لهذه الحالة، فطلب من الرئيس الجليل أن يدونا الكلمات المختلف عليها على ورقة مستقلة، ويحتكما في تفسيرها إلى شخص يعرف اللغة الإنجليزية غيرهما.
رفاق سعد زغلول يلحقون به إلى المنفى
وبعد أيام أبلغ سعد باشا أن صحبه الذين تركهم في عدن سيلحقون به، وفي اليوم المحدد لوصولهم انتقل دولته مع الأستاذ مكرم إلى جزيرة «ماهي» لاستقبالهم، ولما رآهم نازلين من الباخرة التي أقلَّتهم إليها، انهمرت الدموع من عينيه وقال: «إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن أفارق هذه الحياة وأنا بعيد عن أولادي»، فدعوا له بطول العمر، وكان سرور الجميع باجتماع الشمل يفوق الوصف.
وكان أول ما فعله سعد باشا بعد ذلك أن سأل عاطف بركات باشا عن الكلمات التي اختلف مع الأستاذ مكرم على تفسيرها، فجاء شرح عاطف باشا مطابقًا لشرح الأستاذ مكرم فضحك سعد باشا واقتنع.
وكانت السلطات المحلية قد استعدت لإيواء النزلاء الجدد، فأعدت لسعد باشا وللأستاذ مكرم دارًا تَسَعُهما مع خدمهما، وأعدت للنحاس باشا وفتح الله بركات باشا وعاطف بركات باشا وسينوت حنا بك دارًا أخرى على مقربة من الدار الأولى، ولكن الجميع كانوا يتناولون طعام الغداء والعشاء على مائدة سعد باشا ليتسلى بوجودهم حوله، ثم انتقل دولته والنحاس باشا والأستاذ مكرم وسينوت بك إلى دار فخمة تقع فوق ربوة جميلة قدمها لهم وجيه مسلم عاد إلى الجزيرة بعد غياب طويل عنها، وظل فتح الله باشا وعاطف باشا يقيمان في الدار الأصلية، ولكنهما كانا يصعدان إلى قمة الربوة عند حلول ساعة الأكل لينضما إلى إخوانهما حول مائدة سعد باشا، ولما استقر قرار ولاة الأمور البريطانيين على نقل الرئيس الجليل من سيشل إلى جبل طارق، أخذ معه صورتهم الفوتوغرافية، وتروي أم المصريين أنها لما لحقت به هناك كانت تراه كل يوم يضم تلك الصورة إلى قلبه وهو يقول: «هؤلاء هم أولادي، فليحرسهم الله بعنايته.»