لليابان صورة ذهنية راسخة فى أذهان الناس، تشكلت عبر ما نسمعه ونراه فى وسائل الإعلام، لكنها تظل فى حاجة إلى من يراها من الداخل، إلى شخص يعيش هناك، وينتمى فى الوقت نفسه إلى ثقافتنا، فينقل صورة أقرب إلى الحقيقة، وهذا ما قدمه الدكتور المؤمن عبد الله، أستاذ الدراسات اليابانية وعلوم اللغة والترجمة بكلية الدراسات الدولية بجامعة طوكاي، الذى يعيش فى اليابان منذ ثلاثين عامًا.
فى كتابه "شخصية اليابان.. بين واقع التجربة وخيال التصور"، الصادر عن دار نهضة مصر، يقدم المؤلف قراءة عميقة للمجتمع الياباني، تمزج بين المعايشة المباشرة والتحليل العلمي، مستندًا إلى دراسة لغوية وثقافية ضمن منهج التحول والتنوع الثقافي، مع حضور واضح لحس درامى يعكس طبيعة الحياة اليومية هناك.
الكتاب يدعو القارئ إلى إعادة النظر فى تصوراته المسبقة عن اليابانيين، ويمنحه مفاتيح متعددة لفهم هذه الشخصية، التى يأتى الصمت فى مقدمة سماتها، إذ يعد قيمة أخلاقية راقية، كما يكشف عن طبيعة مركبة تتسم بالتناقض، فاليابانى شديد الالتزام بالقوانين، لكنه فى الوقت ذاته يمتلك قدرة عالية على التكيف، ويتسم بالطاعة والانضباط، دون أن يفقد استقلاله الكامل.
ومن أبرز ملامح هذه الشخصية أيضًا الالتزام الصارم بآداب التعامل واحترام الآخرين، يقابله أحيانًا شعور بالتفوق أو التعالي، كما يجمع بين البساطة فى نمط الحياة والرغبة فى الرفاهية، وبين الشجاعة والتردد فى اتخاذ القرار، فى صورة تعكس توازنًا معقدًا بين قيم متعارضة.
ويرى الكتاب أن المجتمع اليابانى فى جوهره نسيج متماسك من هذه التناقضات، وأن الحذر سمة أساسية تحكم سلوك أفراده، إذ يميلون إلى تجنب المخاطرة، ووضع أسوأ الاحتمالات عند التخطيط للمستقبل، مع إيمانهم فى الوقت نفسه بعوامل القدر الخارجة عن إرادة الإنسان.
وفى المجال التعليمي، تتقدم قيمة الحضور والانضباط والاجتهاد على مجرد نتائج الاختبارات، كما تحظى قواعد العمل بالاهتمام أكثر من المهارات الفردية، ويظل الارتباط بالطبيعة عنصرًا جوهريًا فى الثقافة اليابانية، فى حين لا تميل الشخصية اليابانية بطبيعتها إلى الأدوار القيادية أو الريادية.
وتقوم منظومة القيم هناك على تقدير الجهد والمشاركة الفاعلة، حيث لا تقاس القيمة بالنتائج وحدها، بل بكيفية السعى إليها، كما يتجسد فى المجتمع اليابانى قدر كبير من المساواة، رغم ما يواجهه من تحديات تعليمية، مثل التنمر، والتسرب، وانتشار الدروس الخصوصية، والتفاوت المرتبط بالوضع الاقتصادي.
أما العمل، فهو فى الوعى اليابانى أكثر من وسيلة للرزق، إذ يعد واجبًا وطنيًا وقيمة أخلاقية، ومادة في الدستور، تسهم فى رفاه المجتمع، وتعزز استقلال الفرد واحترامه لذاته.
ويعرف اليابانيون بأنهم أشخاص يجيدون الحفاظ على امتلاك الحكمة وهدوء النفس، والبعد عن نهج الأنانية، والحفاظ على روح مساعدة البعض للآخر، خاصة عندما يواجهون تحديات وصعوبات، لكننا أيضا سوف نجد داخل نفس هذه الشخصية جوانب أخرى حادة السلوك، مثل إكراه النفس والآخر على التحمل والصبر، وأيضا مقدار من ضبط النفس المفرط فيه.
وفى خلاصة الكتاب يتأكد لنا، أن مجتمع اليابان ليس فريدا في تكوينه، لكنه اختار أولوياته بدقه، فأعلى من قيم موجودة عن الجميع مثل العمل والتفكير العلمي، لكن المجتمع الياباني جعلها هي الأساس الذي تقوم عليه حياته.
وما يقوله الكتاب في النهاية أنه على الرغم من تزايد الاهتمام والتناول الصحفى والإعلامى بعالم اليابان أو ما يعرف بيننا بكوكب اليابان، فإننا ما زلنا نستشعر بأننا أمام صندوق أسود لا يعرف أسراره وأغواره سوى المعايشين له من أبناء جلدته، بل لن أكون مبالغا إن قلت إن حتى أبناء جلدته قد لا يستطيعون معرفته بشكل كامل.