قال العالم الفرنسي ميجون إنه من المستحيل أن نؤرَّخ الفخار والخزف اعتمادا على الزخرفة الموجودة عليه!!
سوف أتعرض في هذه المقالة إلى عدة قضايا قسمتها إلى مشاهد، بالإضافة إلى المقدمة.
المشهد الأول: المصطلح والمفاهيم وعلاقة الفخار بنظرية الخلق.
المشهد الثاني: الزخارف والتصاوير على الفخار والخزف في الحضارات القديمة.
المشهد الثالث: الزخارف والتصاوير على الفخار والخزف في الفنون الإسلامية.
من الحقائق الثابتة تاريخيا وأثريا، تلك الشهرة الواسعة التي اشتهرت بها مصر على مر العصور في مجال صناعة وزخرفة الفخار والخزف وإنتاجه، ولعل ما وصلنا من النماذج واللقى الأثرية الفخارية والخزفية يدل دلالة واضحة على مهارة الفنان الذي عاش عبر القرون على هذه الأرض، يعالج هذه الصناعة والحرفة الهامة بفهم عميق لأصولها، وخبرة بأسرارها في ضوء الأسس العلمية والفنية والكيميائية التي وصل إليها بالتجارب والدراسة المتصلة، حتى قدم للإنسانية تراثا هائلا من الخزف والفخار ما زال حتى اليوم قبلة الأنظار في المتاحف والمجموعات الأثرية.
ومشكلة البحث هذا أو هذه الورقة هي كيفية تأريخ الفخار من خلال الزخرفة والتصاوير الموجودة عليها، على الرغم من تحذير معظم الباحثين من الاعتماد على هذه الزخرفة كوسيلة للتأريخ، ولكننا هنا نحاول، وبالبحث العلمي في أصوله، إلا محاولات بشرية قد تنجح أو يجانبها الصواب.
تقودنا هذه المقدمة إلى قضية أخرى وهي التفسير للمصطلح، وهو كلمة خزف – فخار.
المصادر اللغوية العربية لم تعرف للدلالة على المنتجات المصنوعة من الطين سوى كلمة "فخار"، وذلك لأن اللفظ هو لفظ قرآني ورد في الآية 13 من سورة الرحمن "خلق الإنسان من صلصال كالفخار".
يقودنا هذا التعريف القرآني إلى مشكلة جديدة، وهي علاقة الفخار بنظرية الخلق عند الحضارات القديمة، ومن المثير للدهشة أن معظم المعتقدات الدينية، بل والأديان السماوية في مجملها، اتفقت تقريبا على أن الإنسان قد خُلق من "الطين". ففي الإصحاح الثاني من سفر التكوين جاء: خلق الله الإنسان من تراب ونفخ فيه الروح، ثم وضعه في جنة عدن ليعيش فيها ويحافظ عليها، وخلق حواء من ضلع آدم، وعاش الرجل الأول والمرأة الأولى خالدين وفي سعادة أبدية بدون ألم أو تعب ومشقة، شريطة أن يطيعا أمر الله ولا يقربا الشجرة المحرمة، فلما اقتربوا عاقب الله عصيانهم، وتم إخراجهم من الجنة إلى الأرض حيث كان عليهم أن يعملوا وينجبوا أطفالا وفي النهاية يموتوا.
وتشابهت أساطير الخلق عند الحضارات القديمة كلها مع ما جاء في سفر التكوين، سواء في مصر أو سومر وبابل، وعند الإغريق والرومان، وكذلك في حضارات آسيا سواء الهند أو الصين.
ولا يمكن هنا الجزم عما إذا كان التشابه بين أساطير خلق الإنسان من طين وتراب ناجما عن امتزاج الحضارات والمعتقدات في مناطق الشرق، أم أنه كان ناجما عن فكرة أصيلة تأثرت بها هذه الحضارات وهذه المعتقدات.
ويبدو أننا لا زلنا حتى الآن نعتقد في أهمية هذه الصناعة، فعلى سبيل المثال، وفي الموروث المصري، نجد أن هناك أسطورة حول سيدي أبو الأباريق أبو السعود الجارحي "بالفسطاط"، حيث تأتي النساء الراغبات في الإنجاب كل ثلاثاء لزيارة ضريحه بالفسطاط، التي هي معقل صناعة الفخار.
وعاش سيدي أبو الأباريق في القرن 16م وكان يعمل بصناعة الفخار، وروي عنه أيضا أنه كان يمنح النساء تمائم الخصوبة على هيئة عضو ذكري من الفخار، وهنا فهو يذكرنا بالإله "خنوم" والذي كان يُصوَّر في النقوش المصرية على هيئة إنسان له رأس كبش، يجلس على عجلة الفخار ليشكل من الطين والماء البشر، ثم ينفث فيهم أنفاس الحياة عن طريق "رع".
وهناك الكثير من الأساطير المشابهة في حضارات الشرق، مما أسبغ طابع القدسية على هذه الحرفة، ففي الطين يكمن سر الخلق، وسر الموت.
المشهد الثاني
التفسير التاريخي للتصاوير الموجودة على الفخار والخزف
صنع الإنسان المصري في عصور ما قبل التاريخ كميات كبيرة من الفخار الجيد الأحمر والأسود، وترك عليها زخارف مستوحاة من البيئة المحيطة به، فهو يعيش في بيئة محدودة الملامح قليلة العناصر، فرسم لنا بعض الزخارف التي يصعب تفسيرها مثل عناصر زخرفية هرمية يحتمل أنه عبر بها عن الجبال المحيطة به، كما رسم بعض الحيوانات التي يطاردها لمصيرها، كما أنه في بعض الأحيان رسم لنا مجاري مائية، وعليها ما يشبه القوارب، وهي كلها تصاوير اختلفت عما تركه إنسان ما قبل التاريخ في أوروبا، والذي اتخذ لنفسه الكهوف والملاجئ الصخرية سكنا له.
وبالتالي استخدم الحوائط والسقوف للتعبير عن فنه بعناصره المختلفة، بل ولا أبالغ إن قلت إن تصاويره التي وجدت على الكهوف كانت بمثابة أول عملية تعليمية في التاريخ، ينقل من خلالها الصياد الكبير إلى الصيادين الشبان خبراته في التعامل مع الحيوانات. ومن هنا لم يصلنا فخار مثل الذي وصلنا من عصور ما قبل التاريخ في مصر، ذلك لأن البيئة اختلفت، وبالتالي اختلف كل ما هو حولها من عناصر.
وفي فترة عصر الأسرات من دولة قديمة ووسطى وحديثة لم نجد تصاوير على الفخار أو الخزف إلا فيما ندر، لأن المصري القديم كان لديه المعابد والمقابر بحوائطها وسقوفها ليعبر عن كل ما يدور في خلده من فكر حول الحياة والموت والبعث بعد الموت، وبالتالي وعلى الرغم من مهارته في صناعة الفخار والخزف إلا أنه فضل استخدامها بصفتها الوظيفية أكثر من كونها ميدانا يعبر فيه عما يجول في خاطره أو ما يحيط به من عناصر بيئية وطبيعية.
ثم نأتي إلى الفترة اليونانية والرومانية التي شهدت نهضة وازدهارا واضحا في صناعة الخزف والفخار، بل ونهضة غير مسبوقة في رسم التصاوير عليها. وإذا حاولنا تفسير هذه التصاوير لوجدنا أنها انقسمت إلى قسمين: قسم يتعلق بالزخرفة، والتي كانت في بداية الأمر تنتشر على سطح الآنية بلا انتظام، ثم صارت تُنفذ وفقا لمنهج وتقتصر على مساحات محدودة كالفوهة والعنق.
أما القسم الثاني فكان عبارة عن تصاوير مستمدة من الأساطير، حيث صورت زيوس وأبوللو وأثينا وهيرا وهرميس وديونيسوس، كما اهتم الفنان بتصاوير الحياة اليومية مثل تدريبات الشباب الرياضية وصور العازفات والحيوانات الأليفة واحتفالات الدفن والزواج. وكانت هذه التصاوير مصدرها من مصادر الإلمام بالحياة في بلاد اليونان، والتي كان الإنسان هو محور كل شيء بوصفه مبدأ وقاعدة لكل ما هو موجود وحي، حتى أننا يمكن أن نقول إن صورة الإنسان كانت الموضوع الأكثر شيوعا في الفن الإغريقي بصفة عامة.
على أننا لو حاولنا تفسير هذا الاهتمام بزخرفة الأواني الخزفية والفخارية، ربما كان ذلك بسبب اختلاف عمارة المعابد والمقابر الإغريقية والرومانية عن المقابر والمعابد المصرية القديمة، وهذا الاختلاف هو ذاته الاختلاف بين معتقد المصري القديم وبين معتقدات الإغريق والرومان، فالمصري سجل كل شيء على جدران مقابره ومعابده، على أن المعابد الكلاسيكية بقيت في مجملها خالية من الزخارف الجدارية، ولم يكن هناك زخارف سوى في مقدمة المعبد أو مدخله. وكانت الأساطير الإغريقية هي الموضوعات المفضلة عند الفنان في ذلك الوقت، وكانت قصص الإلياذة والأوديسا هي الموضوعات الأكثر شيوعا على الفخار والخزف، وكذلك الصراع بين الآلهة وبين الآلهة والبشر.
وحينما ظهرت المسيحية، بدأنا نشهد تحولا نحو استخدام الجداريات الضخمة من الفسيفساء والرسوم الجدارية المذابة بالماء لتحتل المرتبة الأولى، وجاءت معظم الموضوعات عن الحكام والأباطرة باعتبارهم رأس الكنيسة المسيحية وحكام الدولة، واختفت تدريجيا الرسوم من على الفخار والخزف.
على أن الأمر نفسه اختلف في مصر التي تحولت ببطء إلى المسيحية، واستعمل الفنان إلى جوار التصاوير الجدارية في الكنائس رسوما على الفخار، وبدأ الفنان في استخدام الفخار، وخاصة الفخار الأحمر، يرسم على جدرانه صور القديسين بدلا من أشخاص الأساطير، وأحيانا استخدم الأسطورة نفسها يعبر بها عن الديانة الجديدة برموز مختلفة مثل ميلاد فينوس التي اعتبرها ميلادا للمسيحية، ومناظر الصراع مع الحيوانات.
ومن الأساطير التي استعملها الفنان القبطي أسطورة ديونيسوس، وأسطورة إله النيل هرميس، وأورانوس، وظفها كلها في خدمة العقيدة المسيحية بدلالة رمزية جديدة، وهو موضوع ضخم لا يهمنا منه هنا سوى أن الفخار والخزف القبطي أصبح ميدانا لهذه التصاوير، ولكن بأسلوب ركيك ومحور عما كانت عليه هذه المناظر في الأصل.
وهكذا ازدهرت مراكز صناعة الفخار في هذه الفترة في أسوان وأسنا وأخميم وأسيوط والفيوم وأرمنت وهابو وأدفو وباويط وكوم أوشيم لتلبي احتياجات الناس.
المشهد الثالث: الزخارف والتصاوير على الفخار والخزف في الفنون الإسلامية
جاء الإسلام إلى مصر، ودخل عمرو بن العاص إلى مصر والأوضاع فيها قد بلغت من السوء والضعف والغليان من حكم الدولة البيزنطية.
وتعامل المسلمون مع الفن القائم تعاملا إيجابيا فلم يرفضوه، على أن الحرفيين وصناع ومزخرفي الخزف والفخار كان عليهم أن يغيروا أسلوبهم الفني ليتماشى مع ذوق ومعتقد رعاة الفن الجدد من المسلمين الذين جاءوا بفكر وعقيدة وثقافة جديدة، ولكنها تقبل التعايش مع العقائد والثقافات الموجودة. وهنا عاد الفنان إلى استعمال أدواته بالصفة الوظيفية فقط، واستعمل زخارف محايدة لا رمزية فيها لأي معتقد، مثل صور الحيوانات والطيور وزخارف النباتات والزخارف الهندسية، واستمر هذا الوضع طيلة فترة عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموي.
ومع سقوط الدولة الأموية سنة 132هـ ومجيء العباسيين كان قد مضى وقت كاف لكي ينتقل صانع ومزخرف الفخار من مرحلة الاقتباس المباشر للعناصر الزخرفية ومرحلة تجاور هذه العناصر إلى جوار بعضها البعض إلى مرحلة صهر هذه العناصر ودمجها بحيث تصبح شكلا جديدا وغير مسبوق.
فبدأ صانع وزخرف الخزف والفخار في تزيين الأواني بالكتابة العربية باعتبارها العنصر المميز للعرب كرعاة فن. وهكذا استمر الصانع في تقاليد صناعته وتغيرت الزخارف والتصاوير المزخرفة للقطع، وكانت هذه الكتابات أحيانا مقروءة وأحيانا أخرى غير مقروءة باعتبار أن بعض الفنانين لم يتمكنوا بعد من إتقان اللغة العربية.
وشهدت الفترة الطولونية في مصر ازدهارا لصناعة الفخار والخزف، وإن ارتبطت زخارفه بزخارف الخزف في سامراء بالعراق، وكان اختراع الخزف ذي البريق المعدني من الإنجازات الضخمة للفن الإسلامي، وكانت الزخارف عليه عبارة عن رسوم الحيوانات والصيد ورسوم آدمية بسيطة، وظهور عبارات دعائية بالخط الكوفي البسيط مثل "بركة لصاحبه".
ويجيء الفاطميون إلى مصر وتأسيسهم عاصمة جديدة هي القاهرة، وازدهرت صناعة وزخرفة الخزف ذي البريق المعدني، وتعددت أشكال الأواني وتنوعت زخارفها، وظهرت توقيعات أساتذة صناعة الخزف، وساعد الرخاء الاقتصادي الذي نعمت به البلاد على رواج هذه الصناعة.
ويكفي للتدليل على رواج هذه الصناعة أن الدولة كانت تفرض مكوسا على أحمال الوقود التي كانت تستخدم في مصانع الخزف، وكانت هذه الضرائب من الموارد الهامة للدولة. أما بالنسبة للرسوم والزخارف فكانت عبارة عن تسليات البلاط وحياة الناس من شرب ورقص وغناء وموسيقى، في مقابل مناظر التحطيب والمصارعة ومناظرة الديوك، كما ظهرت عبارات دعائية بالخط الكوفي الفاطمي مثل "نعمة شاملة" و"بركة كاملة" و"سعادة متواصلة".
وظهرت بعض الموضوعات المسيحية على الخزف ذي البريق المعدني، ورغم عدم قدرة المؤرخين على تفسيرها، فمنهم من فسرها بأنها فنون قبطية، والواقع أن ظهور الموضوعات المسيحية على الفنون الإسلامية قد ظهر في العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي.
ونحن نرى أنها عُملت إما للتجارة والتصدير إلى ممالك مسيحية خارج مصر، وخاصة في العصر الأيوبي، أما العصر الفاطمي فيمكن تفسيرها بأنها عُملت للإهداء لشخصيات دينية مسيحية أو للكنائس المسيحية، خاصة وأن معظمها، كما تشير المصادر، قد بُني أو جُدد في العصر الفاطمي. كما أن لمصر في العصر الفاطمي ميلا إلى دول حوض البحر المتوسط، وكان هناك تبادل تجاري مع هذه الدول وإهداءات متبادلة بين الدولة الفاطمية وحكام هذه الدول.
أما المناظر المسيحية في العصر المملوكي فقد ظهرت على الفخار المطلي الذي حمل شعارات وأسماء سلاطين المماليك، والذي نراه في آنية كانت تستعمل في الطباق الخاص بالمماليك، ومن هنا حمل شعار السلطان واسمه والدعاء له. ومن الممكن تفسير ظهور الرموز المسيحية على هذا النوع من الفخار بأنه كان يُوقف على الأديرة والكنائس لإطعام الرهبان، ومن هنا ظهرت عليه الرموز المسيحية المختلفة.
وانتهى العصر الفاطمي نهاية درامية بحريق كل مصانع الفخار والخزف بالفسطاط، والتي ظلت مشتعلة لمدة 54 يوما أثناء الصراع بين شاور وضرغام. ومع مجيء الأيوبيين إلى مصر ظهرت مؤثرات آسيوية على الخزف والفخار، وبدأ ظهور الكتابات النسخية، واختفت أنواع كثيرة من الخزف في مصر. وعلى مستوى الزخارف، مالت الوجوه إلى النمط الآسيوي، وخاصة في الخزف المعقد والألوان.
أما في بلاد الشام فقد اختفت العناصر الآدمية والكائنات الحية من على جدران الخزف والفخار، وسادت الزخارف الهندسية.
وفي عصر المماليك نافس المنتج الآسيوي المنتجات المحلية، وظهرت في الأسواق المصرية أنواع الخزف الصيني مثل البورسلين والسيلادون وخزف فاشان وسلطان آباد، وكلها زخرفت بمناظر الحيوانات والطيور متأثرة بالأسلوب الصيني. كما ظهرت توقيعات أساتذة صناعة الخزف، وظهر من بينهم جنسيات أخرى غير مصرية مثل غيبي الشامي والعجمي وغيرهم.
على أن صناعة الفخار المطلي استمرت بالتقاليد المصرية، خاصة وأنها حملت أسماء وألقاب الصناع، وهي خامات رخيصة نسبيا، وظهرت عليها أيضا توقيعات صناع مثل شرف الأيواني، كما ظهرت بلاطات فاشاني مزخرفة بالكتابة الكوفية المربعة وعليها توقيع الصناع.
على أن صناعة الخزف والفخار مالبثت أنها تدهورت في العصر العثماني، واستوردت مصر من آسيا الصغرى خزفها، وبدأ ظهور نهضة بسيطة متواضعة على يد بعض الفنانين المصريين مثل عبد الكريم الفاسي وغيره.
وهكذا حملت زخارف وتصاوير الخزف عناصر محلية في كل عصر من العصور ساعدت في تأريخها ونسبها إليه، وكانت مرآة للعصر.
أ.د. محمود إبراهيم حسين أستاذ الآثار والفنون الإسلامية ورئيس قسم الآثار الإسلامية الأسبق بكلية الآثار جامعة القاهرة