عزيزي القارئ، أردت أن أكتب بعد الفترة السابقة عن الحروب بنكهة جديدة، التي جعلتنا نشعر أن أخطر لحظة في التاريخ ليست لحظة الحرب نفسها، بل اللحظة التي تقترب فيها قوة صاعدة من تجاوز القوة المسيطرة. وتأكد أن تراجع القوى العظمى عن المشهد لا يحدث فجأة، بل يبدأ عندما تشعر تلك القوة أن هناك من يقترب منها اقتصاديا وتكنولوجيا.
نعم، عند متابعة الأحداث نجد أن العالم دخل مرحلة حرب بدون أسلحة أو دبابات، لكنها صراع على الطاقة، صراع على الاقتصاد، صراع على التكنولوجيا، وصراع على النفوذ. العالم لم يعد يتحرك بالسلاح فقط، بل يتحرك بالمصالح.
وفي رأيي كمواطنة بسيطة، أجد أن الأخطر من كل ذلك ليس السياسة، بل ما يشعر به الإنسان البسيط. فالإنسان العادي لا يهتم بالتحليلات السياسية، ولا يعرف أسماء الاتفاقيات أو التحالفات، لكنه يشعر بالنتيجة. يشعر بها في الأسعار، في القلق من المستقبل، وفي الإحساس أن العالم لم يعد مستقرا كما كان.
وأصعب إحساس يمكن أن يمر به الإنسان الآن ليس الخوف من الحرب فقط، بل الإحساس أن ما يحدث أكبر من قدرته على الفهم. وخاصة وسط هذا المشهد المعقد، تظهر أهمية الدول التي تملك الاستقرار الداخلي، وعلى رأسها بلادي الغالية.
فما يميز مصر اليوم ليس فقط قوتها العسكرية أو موقعها الجغرافي، بل قدرتها على الحفاظ على التوازن في وقت تعيش فيه المنطقة حالة اضطراب غير مسبوقة.
وظهر هذا بوضوح من خلال موقف القيادة السياسية في الأزمات الاخيرة، الذي لم يكن قائما على الانفعال، بل على الهدوء والحساب. هذا النوع من المواقف يمنح اي دولة ثقل دولي حقيقي، لان الدول الكبرى تحترم الدولة التي تتحرك بعقل لا بعاطفة، وتثق في الدولة التي تستطيع حماية شعبها ومصالحها دون أن تنجر للفوضى.
عزيزي المصري، نجدد ان الثقة في القيادة السياسية لم تأتي من فراغ، بل جاءت لان الناس رأت منذ اللحظة الأولى أن الهدف لم يكن الدخول في صراعات، بل حماية الدولة من الداخل وتأمين الحدود من الخارج. وهذا ما يجعل أي دولة قوية في وقت الأزمات، لأن القوة الحقيقية ليست في الكلام أو الشعارات، بل في القدرة على الحفاظ على الاستقرار.
فما قامت به القيادة السياسية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يكن مجرد موقف سياسي عادي، بل كان رسالة واضحة أن مصر تريد الاستقرار للمنطقة كلها، وليس لنفسها فقط. التحركات لم تكن اندفاعا، بل خطوات محسوبة تهدف إلى حماية الأمن الداخلي أولا، ثم تثبيت مكانة مصر إقليميا ودوليا. الدليل على ذلك أن التحركات السياسية لم تتوقف عند التصريحات، بل وصلت إلى زيارات وتحركات مباشرة في مناطق حساسة، كان الهدف منها دعم الاستقرار ومحاولة وقف التصعيد.
وهذا ليس أمرا سهلا، لأن الدخول إلى مناطق متوترة سياسيا وأمنيا يحتاج إلى ثقة دولية وثقل سياسي حقيقي، وليس مجرد دور شكلي. ومن الطبيعي ان هذا الدور لم يكن مريحا لمن يحاولون نشر الفوضى او استغلال الازمات، لان استقرار مصر يعني اغلاق الباب امام كثير من المخططات. ولهذا كان واضحا ان التحركات المصرية لم تكن بهدف الظهور الاعلامي، بل بهدف حماية الداخل وتأمين الحدود الخارجية. اخطر ما يمكن ان يحدث في اي ازمة هو ان تنتقل الفوضى من الخارج الى الداخل. ومما لا شك فيه، تحليل هذه الاحداث يجب ان يكون بهدوء وبدون مبالغة. مصر لم تدخل حربا، ولم تتصرف بانفعال، لكنها في نفس الوقت لم تكن غائبة. كانت موجودة بثقل سياسي واضح، وبموقف متوازن جعلها قادرة على التحرك دون ان تنجر الى صراع مباشر. هذا النوع من التوازن يمنح اي دولة احتراما دوليا حقيقيا.
وافتخر ان هناك قوة اخرى دعمت الموقف الجانب الاعلامي. الاعلام لم يكن مجرد نقل اخبار، بل كان عاملا اساسيا في تهدئة الناس ومنع انتشار الشائعات. اخطر ما يمكن ان يحدث في وقت الازمات ليس الحرب نفسها، بل الشائعات التي تخلق الخوف والارتباك داخل المجتمع. وعندما يشعر المواطن ان هناك معلومات واضحة وصادقة، يقل القلق ويزيد الاحساس بالامان.
ولهذا ارى ان المرحلة القادمة تحتاج الى خطوة مهمة جدا: انشاء منصة اعلامية واضحة يقودها مسؤولون ومحللون معروفون بالهدوء والاعتدال، تكون مهمتها شرح ما يحدث للناس بشكل بسيط وصريح، خاصة في الازمات المفاجئة.
وكعهدكم بي، في النهاية، ما يحدث في العالم اليوم ليس مجرد ازمات متفرقة، بل مرحلة جديدة تتغير فيها موازين القوى بهدوء شديد. العالم لم يعد يتحرك بقوتين فقط، بل اصبح يتحرك بثلاث قوى كبرى، وكل قوة تحاول ان تحافظ على مكانها قبل ان يتغير شكل العالم كله. وسط هذا المشهد المعقد، تبقى قيمة الاستقرار الداخلي هي القوة الحقيقية.
ولهذا أرى أن أهم ما تملكه بلادي كنانة الله في أرضه اليوم ليس فقط قوتها العسكرية، بل قدرتها على الحفاظ على توازنها في وقت يتحرك فيه العالم كله بانفعال. وهذه ليست مصادفة، بل نتيجة وعي دولة تفهم ما يحدث حولها وتتحرك بهدوء حتى في اصعب اللحظات.
وأعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج الى خطوة واضحة: وجود منصة إعلامية صادقة يقودها مسؤولون ومحللون معروفون بالهدوء والاعتدال، لتوضيح ما يحدث للناس ببساطة ووضوح، خاصة في الازمات المفاجئة. لأن الإنسان البسيط لا يحتاج إلى تحليلات معقدة بقدر ما يحتاج إلى الحقيقة بشكل واضح حتى يشعر بالأمان.
ورأيي الخاص، فالحروب غير المعلنة قد تكون اخطر من الحروب المعلنة، لأنها لا ترى بوضوح، لكن تأثيرها يصل الى حياة الناس يوميا. ولهذا يبقى الوعي هو القوة الحقيقية، والهدوء هو السلاح الاقوى، والاستقرار هو الضمان الوحيد للمستقبل. فالإنسان البسيط للمرة الثالثة قد لا يفهم السياسة، لكنه يفهم شيئا واحدا جيدا: عندما تتحرك الدولة مثل الضوء الثاقب وبهدوء، لينير ماحول الاحداث بحرفنة المحارب، ويوضح له الصراع العالمي بين الطاقة والاقتصاد فهذا يعني أنها تعرف ماذا تفعل. وهذا وحده كاف ليجعل الناس أكثر اطمئنانا حتى في أصعب الظروف، وهو المطلوب للحفاظ على وطن غال لا يعوض.