طوال تاريخها القديم والحديث والمعاصر لم تغامر مصر بالدخول إلى حرب إلا دفاعا عن حدودها وأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. في بعض المرات كان خروج الجيش المصري دفاعا عن الأمة العربية والإسلامية وحفاظا على الهوية والدين من الضياع والاندثار. ربما مرات قليلة تم فيها دفع مصر إلى فخ الاستدراج والتورط في حرب انتهت إلى تعطل مسيرة النمو والنهضة والتنمية التي بلغت معدلاتها في تلك الفترة في منتصف الستينيات النسب العالمية، فتحالفت قوى كبرى لكسر مشروع مصر في النمو والبناء والنهضة، وقبلها في العشرين عاما الأولى من القرن التاسع عشر ومشروع محمد علي في بناء دولة مصرية حديثة.
الهدف طوال تلك الفترة في استدعاء مصر ومحاولة توريطها في حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، هو كسر شوكة جيشها الوطني القوي أو على الأقل إنهاكه.
المرة الأخيرة التي خرج فيها الجيش المصري بعيدا عن حدوده كانت للدفاع عن دولة الكويت الشقيقة، ضد الغزو العراقي في عام 1990 والدفاع أيضا عن الأشقاء في دول الخليج. فالقضية كانت واضحة وعادلة وتستدعي نجدة الشقيق تحت مظلة الجامعة العربية واتفاقية الدفاع العربي المشترك.
في الحرب المجنونة الدائرة رحاها الآن في منطقة الخليج والتي أشعلتها واشنطن وتل أبيب ضد ايران وتفاجأت بها دول الخليج العربية- كما جاء على لسان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي- خرجت أصوات شقيقة تلوم على مصر لعدم مشاركتها في الحرب والدفاع عن دول الخليج، ومارس العدو أقصى الضغوط لتوريط الجيش المصري في الحرب. فالفرصة -كما يرى العدو- سانحة هذه المرة لاستدراج مصر وجيشها في الحرب ضد ايران بدعوى الدفاع عن أمن الخليج الذي ما تعلن مصر دائما أن أمن الخليج هو جزء من أمنها القومي في محاولة للوقيعة بين مصر وأشقائها في الخليج.
موقف مصر منذ البداية كان واضحا وضد الحرب والتصعيد وجر المنطقة الى مستنقع الفوضى وأعلنت بوضوح وبصراحة متناهية بأنها ضد الاعتداء الإيراني على سيادة دول الخليج، وبددت بالتحركات والاتصالات الرئاسية والدبلوماسية المكوكية غيوم وظلال الشك حول موقف مصر الثابت والذي لا ولن يتغير، رغم حملات التشويه والتطاول ضد القاهرة من أصوات مؤثرة في بعض الدول الشقيقة.
ويبدو أن الجميع يريد توريط مصر في حرب مفهوم أهدافها ومعروف أبعادها، ولم يعد شيئا خافيا على أحد من أهداف الحرب على إيران. اعتقد المعتدون أنها نزهة عسكرية.. فوجئوا أنهم في قلب مستنقع الاستنزاف. أعلنت أوروبا- المنهكة من الحرب الروسية الأوكرانية - رفضها للحرب في الشرق الأوسط أو المشاركة فيها.. فمن أشعل النار عليه أن يطفئها.
مصر منذ البداية أعلنت موقفها لمنع الحرب و عدم تورطها فيها تحت "الراية الأمريكية والصهيونية" وبالتالي تحقيق هدف إشعال فتنة سنية شيعية في المنطقة.
جاءت التحركات المصرية بالعقل والحكمة لاحتواء الصراع وعدم توسعته أو تصعيده بتورط دول الخليج المباشر فيه، لتسديد ثمن غرور ترامب وجرائم نتنياهو.
سريعا احتوت مصر فتنة زائفة للوقيعة بينها وبين أشقائها في دول الخليج العربي، عبر جولات مكوكية للرئيس عبدالفتاح السيسى ووزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى، عملت مصر على تصفية كل أوجه التباين والاختلاف فى الرؤى الجوهرية لأمن الإقليم، وأن أمن المنطقة لا يحميه ويحافظ عليه إلا رؤية عربية واحدة، ومصر منذ عام 2015 دعت إلى تشكيل قوة عربية مشتركة لإعادة صياغة مفهوم الأمن الجماعي العربي، دون الاعتماد على الخارج بقواعده العسكرية.
أجهضت التحركات المصرية محاولات التوريط في الحرب أو الوقيعة السياسية مع الأشقاء. التحركات المصرية يبدو أنها أزعجت "العدو" وجعلته يشعر بالقلق لمجرد انعقاد لقاء رباعى جمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان فى الرياض على هامش اجتماع مجلس وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامى.
مصر تواجه التحديات الخارجية والضغوط ومحاولات التوريط والوقيعة بحكمة ترفض التصعيد، والسعي إلى الحوار والتفاوض باعتباره السبيل الأكثر فاعلية لتجنب الانزلاق نحو أزمات أكبر. الجهود والتحركات المصرية تهدف للحفاظ على الاستقرار في المنطقة وفق رؤية استباقية تسعى إلى إدارة الأزمات قبل تفاقمها، بما يعزز من مكانتها كفاعل رئيسي ومحوري في معادلات الاستقرار الإقليمي. وتعكس إدراكا استراتيجيا عميقا لطبيعة اللحظة الراهنة، التي تشهد تصاعدا غير مسبوق في وتيرة التوترات و تشابكا معقدا في مسارات الصراع، بما يهدد بتوسيع نطاق المواجهة في المنطقة بأسرها.