حازم حسين

إلى النهاية حَبوًا أو هرولة

الثلاثاء، 24 مارس 2026 02:00 م


التأريخ لرئاسة ترامب، لا سيما فى نسخته الثانية، سيبدو غالبا أشبه بدراما عبثية سائلة. فاصل من الكوميديا السوداء، الارتجالية غالبا، وخليط من الإقدام والإحجام، وكلاهما غير مُبرّر أحيانًا، وغير منطقى دائمًا.


جُمَل مفككة مُتضادة، والرسالة وضدّها فى لحظة واحدة. ينام على شىء، ليصحو على سواه، ولا يُعرَف على أية قاعدة يتّخذ قراراته، ولأى سبب يتراجع عنها. دائرته الضيّقة نُسخ ترامبية صغيرة، ولا ظل للخبراء!


تعهّد بأن يُوقف الحروب، فأشعل مزيدًا منها. وتبدّلت النكهة الانعزالية لحركته «ماجا» ومبدأ أمريكا أولا، إلى انخراط فى البيئات الساخنة بأردأ الطرق المُمكنة، وإشعال غيرها، وتفجير العالم سياسيا واقتصاديا، مع عجزٍ كامل عن التوقف أو الاستدراك.


جاء بعد خمسة عشر شهرا من الحرب الإبادية فى غزة، فحمل من سوءاتها ما لا يقل عن حظّ سلفه بايدن. فوضى فى الحظيرة الخلفية، وارتباك مع الصين فى شرق آسيا. خان إيران مرّتين، وخُدِع من نتنياهو عشرات المرات.


تفجّرت حرب الاثنى عشر يومًا فى قلب مشهد التفاوض، وكذلك الجولة الدائرة حاليا. مع فارق أن الأولى كانت لتدمير البرنامج النووى، فيما الثانية لا عِلّة معلومة لها، وقد قال بنفسه إن سابقتها أجهزة على المشروع تماما.


يمضى سيد البيت الأبيض على غير هُدىً أو بيّنة. لا يبدو أنه يحمل خارطة، أو يُجيد فك مغاليقها إن توافرت. لا خطّة مسبقة، ولا أفق للسياسة أو معرفة بملامح «اليوم التالى»، كما لو أنه مُرتزق فى معارك الآخرين.


وغالب الظن، أنه وُرِّط من حيث لا يدرى أو يريد. بِيع له الوهم، وفق تقديرات الموساد، المُلفّقة قصدًا، بأن إطلاق العملية وجزّ الرؤوس الكُبرى، ستتبعه انتفاضة شعبية تُطيح النظام، وتفتح الباب لهندسة الجمهورية الإسلامية على وجه مُغاير، بشىء من المودّة القديمة فى زمن الشاه.


اكتُشِف المأزق مُبكّرًا، وتأكد الحليفان من استحالة إنجاز الهدف المُخطّط له. وعليه، فلا فائدة من استمرار الحرب، إلا الاستنزاف المُتبادَل، مع فارق الخبرة لدى طهران، وكونها فى أسوأ حال أصلا، وليس لديها ما تخسره كغيرها.


وبالخُلاصة السابقة، فقد بدا التهديد بضرب شبكة الطاقة الإيرانية تصعيدًا من خارج السياق، وذروة لا حاجة لها، ولا قدرة على إدارتها واحتواء تداعياتها المُتوقعة.


أمهلها يومين بدءًا من فجر الأحد، بحسب توقيت المنطقة، ثم عاد عن الأمر بعد ظهيرة الاثنين. أعلن عن مفاوضات خفيّة، ونتائج مُثمرة، وإرجاء إلى مطلع الأسبوع المقبل.


ستتكثف الجهود كلها بحثا عن مخارج مُقنعة. تعاظمت الكُلفة، ومخاطر الأيام المقبلة أكبر. تُدرك واشنطن أنه لا فائدة من الاستمرار، وتُوقن طهران أنها عاجزة عنه أصلاً. أما الرسائل، فغرضها التثبيت والدعاية واصطناع الصمود والنصر.


نشطت الوساطة فى الأيام الأخيرة. مصر فى الطليعة، ومعها قطر رغم ما تعرضّت له، وتركيا وباكستان وعُمان بدرجات، والأقرب أن الخطوط العريضة اتُّفِق عليها، وتتبقّى الترتيبات والضمانات المطلوبة.


النتيجة المُرجّحة ليست من تفضيلات نتنياهو، وسيسعى لإفسادها بكل السبل. قال وزير الخارجية الأمريكى سابقًا إنهم ضربوا استباقيًّا لعلمهم بنوايا إسرائيل، وكانت ستبادر غالبا فى الساعات المُقبلة بإنفاذ التهديد فى مرافق الطاقة، غير أن ترامب ضغط على الكوابح بشكل مُفاجئ.


ستقول إيران كلامًا آخر، وستنفى التفاوض أو الاتجاه للتهدئة. فضلا على ادّعاء الفاعلية وإزعاج الشيطان الأكبر وحليفته الصغرى. صحيح أنها فاجأت الغزاة، وآلمت دول الجوار، ولم تُؤخذ تهديداتها بحق محطات تحلية المياه باستخفاف، إلا أنها تُبالغ فى تقدير قواها، وتزعم لنفسها ما لا تقدر عليه فعلاً.


لعل المُتغيّر الأكبر كان فى صاروخى دييجو جارثيا، القاعدة البريطانية فى مياه المحيط الهندى، فى رسالة ضمنية إلى امتلاك قدرات ذات مدى أبعد، ويقترب من ضعف المُعلَن تقريبًا.


على أن النتائج ليست على قدر الدعاية، ولا نزيف الخسائر والتضحيات الاضطرارية. الجولة لها طابع وجودى، غير أن الاستمرار فيها يُعزّز فرص سقوط النظام، وهو ما لن يحدث تحت النار فى كل الأحوال، لكنها كلما طالت تأكل من الأُسس المُستقرّة، وتُوطّئ للتداعى لاحقًا.


سيُعلن ترامب تحقيق أهدافه، وقد يمنح طهران ما تطلبه من ضمانات لعدم التكرار. ولن يكون مُفاجئًا لأحد أن ينقلب عليها لاحقًا.


لا شىء يضمن السلامة، إنما لا مبرر للاستمرار فى سكّة الندامة. الحرب موشكة على الانطفاء، وعدّاد الثورة الإسلامية يمضى إلى مُنتهاه، والخيرة بين أن يكون الإيقاع حَبوًا أو هرولة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة