خالد دومة يكتب: مِقْصَلة الحرية

الأحد، 22 مارس 2026 09:18 م
خالد دومة يكتب: مِقْصَلة الحرية خالد دومة

بما يفكر المسجون في سجنه؟ أي أفكار تطارد عقله المقيد المسجون؟ وأي خواطر تلاحقه بين الحين والأخر؟ في زمن يمتد، وتتوقف فيه الأيام، لتصبح سنوات والدقائق لتصبح ساعات، والثواني تدق دقاتها في الرأس والقلب، ألم يتسع في كل لحظة، ففي السجون تتعاظم الأشياء، فالعمر أعمار، والسنوات قرون، وكل شيء ثقيل يجثو فوق الصدور، ويظل يثقل عليها ببطيء شديد....في ذلك العالم ترى الإنسان، وقد هوى دركات، يتحطم فيه ما وهبته الطبيعة ...

رجل ميت وإن تنفس..
يقول رجل رأى سجين أمتد به سنوات سجنه لأكثر من سبع وعشرين عام، إن ذلك السجين لم يتجاوز الخامسة والأربعين، وإنه ما أكمل الثامنة عشرة، وأرتكب جريمة قتل، وحُكم عليه بالإعدام، ثم المساعي لتخفيف الحكم، حتى صار مدى الحياة، يقول: رأيت حطام إنسان بالفعل، عرفت كيف يمشى الموت على قدمين هزيلتين، كيف يتمثل لنا نحن البشر؟ وكيف يبدو ما تقع عينيك عليه، حتى ينتابك ضيق شديد، حين يحل البلاء واقعا على رأس إنسان، فيأخذ في تدميره، وتحطيمه ببطيء شديد، مَسَّنِي حزن ترك في نفسي ضيقا بكل قضبان، وبأي سجن، ولأي كائن فيه روح، كنت أنظر إليه، وقد أفقدني توازني العقلي في أن هناك من البشر من يعيش بيننا ميت، ونحن عنه غافلون، فالأرض تحمل الكثير مما يغيب عن أذهاننا وأبصارننا، كأني رأيت نوع أخر من البشر، لم أراه من قبل، ماذا فعلت القضبان بهذا الرجل؟ لتجعل ذلك الطلل البالي، لم يكن طاعنا في السجن، لتنحني ظهره، ويقوس عوده بهذا الشكل، كانت إجاباته على أسئلتنا إذا سئلناه مقتضبه يائسه، تخرج من كهف متحرك، لم يألف إلا الظلام، ولم ترى عينيه نور شمس من قبل، وإنما يعيش على ذكرى، إنه ولد يوما إنسان، فهو ميت وإن تنفس وإن علا صدره بالهواء الفساد، لسنوات طوال، واستنشق أتربة ودخان، يعكر صدره، كما عكرت القضبان صفو حياته، وأنهكت جسده البالي، وأبلت روحه التعيسة، خرجنا من أبواب السجن، وأنا أبغض كل قفص، يمنع الطيور أن تمارس حريتها، وتُقص لها تلك الأجنحة التي خلقها الله لها، لتطير وتقطع مسافات في الهواء، تبحر في فضاء الحرية، لا أن تقص أجنحتها لتمنعها من أن تجوب وتحلق وتحيا.
بين جدران السجون، هناك عالم أخر من البشر، تحيط به أسوار عالية وجنود ومتاريس، وخلف هذه الأسوار، تتنفس الجرائم في عقول ونفوس أصحابها ممن تركوا أنفسهم، لتتغلب عليهم أهوائهم، وتسوقهم إلى التعدي على حق الأخرين ..إن السجن للإنسان، هو حكم صادر ببشاعته وبنزوله عن درجة الإنساننية إلى الحيوانية، إنه ليس سجن للجسد، إنما هو سجن لتلك الروح الإنسانية القابعة فيه، إن الألم حين يصيب الروح، هو الألم الذي لا يطاق ولا دواء له، إنها ليست أسوار من طوب، تحجب عنك عالم مفتوح على مصرعيه، تتجول حيث تريد، وتفعل ما تشاء، إنها القيود التي تلتف حول معصمك، قيود تلتف حول الكرامة الإنسانية، والروح التي تسكن ذلك الجسد، إنها تخنق الضمير والشعور، قبل أن تترك علامة على الجسد، إن الأثر أعمق مما تراه العيون إنها تندس تحت عباءة الجلود والعظام، حتى تتآكل إنها أشياء مرعبة مريعة، تطلي النفوس باللون الأسود، ليصبح الظلام، وقد كسا كل شيء أمام العيون، التي لا تراه، فهي عمياء، إنها الشعاع الذي تراه لا ينفذ إلى الروح، فتبدو مظلمة حالكة السواد، إنها تعاني مرارة القيود في باطنها، إنه القتل البطيء، العذاب المشدد، الذي ينتهك أرفع ما في الإنسان وأشرف ما يمتاز به، ويتكا عليه، ليرى من نفسه شيء يستحق أن يحيا من أجله. ....إن قيد الجسد لا يضاهي قيد الروح والحرية، التي تُلقي بنا بين الجدران، إنما هي التي تُغذي نفوسنا بالقوة والحياة، أما هؤلاء الذي لا يعرفون لها قيمة، إنما هم أموات حتى ولو كانوا أحرار الأجساد، وهم مقيدوا الأرواح، إنهم سوائم وقطعان، أعتادت على أن تهتم بالكلأ، فلا نصيب لغذاء أرواحهم من حياتهم ..لم تكن تلك السجون التي عرفها ذوي الرأي إلا امتداد لحياتهم، التي أرادوها، والتي تستحق أن يعيشوها، إنهم قيدوا أجسامهم، ولم يرتضوا أن يقيدوا أرواحهم، أرتضوا أن يعيشوا بعقول مضيئة في كهوف، خير من أن يكون لهم عقول مظلمة، في قصور يعيشون بها عيشة الأنعام والقطعان من بني البشر ..بين سجن تحيا فيه، ودنيا تسجن فيها، بقيود الخوف والمذلة، خنق الشعور إنها مقصلة العقل، حين تتكالب عليه جيوش المتعة، والجهالة تقودهم قرون، تتفاخر بقوتها ونطاحها في سباق العبودية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة