عصام محمد عبد القادر

في عيد الأم

السبت، 21 مارس 2026 01:05 م


كانت أمي رحمها الله وطيب ثراها ينبوعٌ من الحنان الصافي، يتدفق في عروق حياتنا نهراً جاريًا لا يعرف الانقطاع ولا يضل طريقاً إلى الجفاف، فكان غيثها يغمرنا بدفء غامر وعطاء منهمر سخي، مهما تكالبت علينا الخطوب أو استبدت بنا المواجيع وتراكمت فوق كواهلنا هموم الدهر، وحتى حين كانت تداهمنا الأيام بأوصاب خريفها وضغوطها المقلقة، تظل رحمة الله عليها الملاذ الآمن والركيزة التي لا تميل، فقد جُبلت نفسها الزكية على حب الخير حتى غدا جزءاً من كينونتها، تسير في دروب الإيثار الذي لا ينفد، وتجود بمهجتها قبل يدها دون منٍّ أو ضجر، متمسكة بحبل متين من الصبر الجميل الذي استمدت منه جلداً فريداً على الوصال، وأبرأت به جراح الفقد والبعد، لتغدو لنا منارة ترشدنا نحو تخطي كلَّ عسيرٍ، وتمهد بصلابة إيمانها وعمق بصيرة قلبها كل وعورة نلاقيها في مسيرة العمر، ليبقى ذكرها حياً يورق في نفوسنا كلما عصفت بنا رياح الحياة.


غابت أمي عن ناظري، لكنها استودعت في مقلة قلبي أمانةً لا تبلى، وأورثتني من فيض حكمتها البالغة ينابيع من الصبر الذي لا ينضب، ليكون حجر الزاوية في بناءٍ شامخ يتوارثه جيلٌ بعد جيل، مستلهماً من سيرتها العطرة كيف يُشادُ به المجد بالنفس الطويلة والروح الراضية؛ فقد كان لينها ورقتها فيضاً يغسل وعثاء الأيام، وسجيةً تسمو بمن حولها، بينما كانت موازنتها الدقيقة بين دفء الحنان وهيبة الحزم منهجاً تربوياً قوامُه الحكمة ورصانة العقل، وهو المنهج الذي غرس في كينونتي مكارم الأخلاق ورفيع الخصال، وجعلني أتمسك بكل آليات تقويم المسار وتصحيح الخطى، مندفعاً بروحها التي تسكنني نحو غاياتٍ عليا تحمل في طياتها بريق الأمل المتجدد وطموحاً يعانق عنان السماء، لتظل ذكراها المنارة التي تضيء لي عتمة الدروب وترشدني إلى سواء السبيل كلما عصفت بي رياح الحنين.


في رحاب هذه الذكرى التي تفيض بالحنين والشجن، وبمناسبة يوم الأم الذي يجدد في الروح لوعة الفقد وجلال الوفاء، نرفع آيات الامتنان لروحٍ غادرتنا وما برح أثرها يغمر الوجود؛ فنحن اليوم لا نُحيي مجرد ذكرى، بل نشكر صنيعاً عظيماً وبناءً شامخاً شيدته يداها في أعماقنا، حتى غدت هذه النفس بفضل غرسها صلبة العود، منيعة الجانب، قادرة على الوقوف بثبات أمام عواصف الأيام، وصارت تمتلك عزيمةً لا تلين تجابه بها وعورة الدروب ومرارة التقلبات المفروضة من قانون الحياة علينا؛ فبفضل حكمتها وصبرها الذي لا يشيخ في النفس، بات الوجدان يفيض بفكر مستنير ورؤية ثاقبة تفرق بين الغث والسمين، واستحالت مفردات عيشنا بفضل دعواتها وأثرها الباقي واقعاً مفعماً بحاضرٍ يسوده المجد والرفعة، ومستقبلاً فريداً نرقبه بعين الواثق بنور الله، حيث أضحى الثبات على الحق والتمسك بالمبادئ بمثابة الموجه الأسمى نحو تحقيق أمنيات كانت في غابر الأيام مجرد طيف خيال أو حلم بعيد المنال، فإذا بها اليوم بفضل تربيتها ومنهجها القويم حقيقةً تلمسها الأيدي ويحتفي بها الضمير.


مسيرة حياة أمي، تغمدها الله بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته، لم تكن مجرد عبور في الزمان، بل كانت صرحاً تربوياً ومنهاجاً شاملاً دشنت من خلاله في أعماق نفسي معالم الحق، ورسمت لي به شأنَ الحالِ في حاضر الاستقامة وعظمة المآل في آجل الثواب، ليبقى مقامي في هذه الدنيا مستمسكاً بعروة وثيقة من أثرها الطاهر الذي لا يبلى، تتغذى عليه الروح في خلواتها وجلواتها، وتستمد منه النور كلما أظلمت الدروب؛ ومن ثم تظل هذه النفس مطمئنة مستكينة، ترفل في ثياب الرضا والقناعة ما تعاقب الليل والنهار، صامدة أمام أمواج الحياة العاتية، وراضية بمر القضاء وحلوه مهما تباينت تصاريف القدر أو تقلبت صروف الزمان، ليكون ذكرها هو الزاد الذي يحيي القلوب، وعطرها هو الأريج الذي يملأ الأرجاء طمأنينة وسلاماً.


في هذا المقام المهيب الذي يمتزج فيه فخرُ الانتماء بلوعة الحنين، وتجلله سكينة الذكرى وطيب الأثر الباقي، تقف الحروف عاجزة عن الإحاطة بجلال قدر تلك الغائبة الحاضرة، فكيف لي أن أحصي مآثر أمي "طيب الله ثراها" وهي التي لا تزال طيوفها تسكن وجداني في كل حين، ويتصل نبض قلبي بذكراها في ليلٍ مفعم بالتبتل ونهارٍ مشرق بالدعاء، لقد غدا حبها في فؤادي مورداً عذباً لا يعرف النضوب، وبقي بري لها ميثاقاً غليظاً ووفاءً مستداماً يرافق أنفاسي ما امتد بي العمر وما نبض في الجسد عرق؛ فاللهم يا واسع المغفرة ويا جزيلاً في العطايا، تنزّل على أرواح آبائنا وأمهاتنا بسحائب رحمتك التي وسعت كل شيء، واجعل نزلهم في أعالي الجنان، وأعنا بجميل توفيقك على دوام صلتهم بالبر والدعاء في غيابهم كما كنا في حضورهم، ومنَّ علينا بفيض كرمك بأن تقر أعيننا بذرية صالحة تبرنا في الدارين، واجعل مسيرتنا في طاعتك قربى ترضى بها عنا وعنهم.. اللهم آمين يا رب العالمين.

 

أ.د/ عصام محمد عبد القادر
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة