خالد دومة يكتب: عبيد البطون

السبت، 21 مارس 2026 10:14 م
خالد دومة يكتب: عبيد البطون خالد دومة

هل الجسد إله تُقدَّم له القرابين كى يرضى؟ ليس هناك جسدان متطابقان، فلكل جسد خصوصيته وانفراده، طبيعته التى لا تشبه آخر، لكل جسد عين، ولكن لكل عين نظرتها، لونها، حجمها، نسير على أقدامنا، ولكل قدم مشيتها الخاصة، التى لا تشبه مشية أخرى، وكذلك جميع ما فينا من أعضاء، ليس الجسد وحده هو القائم على هذا الاختلاف، فالكون كل لا يوجد فيه من الشيء متماثلين، ويطغى صوت الجسد، بقدر ما فى الإنسان من ضعف فى الملكات الروحية، بحيث تقود أو لا تقود أو هى تنازع وتقاتل وتدخل معارك شرسة، يكون فيها الانتصار والهزيمة، وتتسع الانتصارات وتتقلص الهزائم أو العكس، ويظل الجسد هو مناط هذا النزاع، فتدخل حروب شريفة أو دنيئة، تنتهى بك إلى إنسان أو نصف إنسان أو حيوان أليف أو متوحش، فيغلب عليه عبادة جسده، فيكون أسير لا طاقة له، ولا قوة يستطيع بها الفكاك من رِبقة الجسد وسطوته.


هنا تكون العبادة الكاملة، تصنع الهياكل والأديرة وتقام التماثيل، وإذا بشعائر وطقوس يؤديها المرء وقرابين تُقدم، تسلب الإنسان عقله وتُميت ضميره، ويظل عمره كله يدور فى فلكها يُسبِّح بحمدها، أم من ينتصر لعقله وضميره، فهو حر، حر لأنه يمتلك إرادة ونفس قوية، بها يسخر ذلك الجسد، لهدف أسمى، فلا تتحكم فيه غريزة ولا تستثيره رغبة، فيسير خلفها مغمض العينين، فاغر فاه، تسحبه إلى حيث تريد، يقف لينتزع أحبال الرق واحدا واحدا، فلا ينحى أمامها مسلوب الإرادة، ضعيف لا زمام، ولا لجام يستعين به لكبح جماح أهوائه، التى لا تنتهى، ولا تشبع، فهو يلجم ذلك الصوت الخفى، والرغبة الكامنة. بوعى يُنقذ نفسه، وينأى بحياته وعمره، قبل أن يضيع سدى، فالغريب أن الأكثرين من بنى البشر يغلبون النزعات الجسدية، ويطمسون معالم الروح، فيفرون منها فرار الأجرب لا يطرق أذانهم صوت الحق والضمير، هؤلاء بالعقل وليس مجازا عُبّاد أجساد، يغلبون بطونهم على عقولهم، ينتصرون للجسد فى مقابل متع وقتية، فيألفون ما اعتادوا عليه من عبادة، ويدافعون عن أصنامهم، التى صنعوها بأيدهم، ففى العالم فريقان يتباينان بين هذا وذاك، ويتأرجون بين الجيشين ذهابا وعودة، ويمضى كل فريق بعتاده وسلاحه، وتدور دفة الحياة بين الحياتين، منتصر ومهزوم، ناجى وغارق، محلق وملتصق بطين الأرض، والجوع هنا شبع هناك، والشبع ظمأ وجوع والتياران باقيان يتداولان الكرة بين أقدامهم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة