بيشوى رمزى

من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"

الإثنين، 02 مارس 2026 11:36 ص


إذا كانت العولمة هي الاطار الأوسع في حقبتي الـ"GATT” والـ"GATS"، يبدو التساؤل ملحا حول ما إذا كان المفهوم يدار بنفس القواعد، في زمن "الهندسة العالمية لسيادة السياسات"، والتي تناولتها اختصارا بـ"GAPS”، في مقالات سابقة، فتحرير التجارة في السلع ثم الخدمات كان واجهة اوسع للمفهوم القائم على التدفق الحر، بهدف تحقيق الرفاهية الاقتصادية للجميع على الأقل نظريا، بينما تشهد الحقبة الراهنة انتقالا من منطق التعميم والذي ساد في التسعينات إلى منطق الإدارة، عبر سياسة انتقائية في المنح والمنع، تدار فيها فرص الصعود داخل شبكة عالمية مترابطة، وبالتالي ارتبطت الحقبة الحالية بتحويل أدوات الانتاج من سلع قابلة للتداول إلى أصول سيادية يمكن من خلالها السيطرة على وتيرة الصعود والهبوط بين الدول.

فلو نظرنا إلى العقود الماضية، نجد أن ثمة قيود فرضت على فئة المارقين من الدول عبر تضييق وعقوبات، إلا انها باتت ممتدة في اللحظة الراهنة، فهي لم تعد استثناء لعدد محدود من الدول ولكن باتت جزء لا يتجزأ من طبيعة المرحلة الجديدة، وهو ما يعكس حقيقة مفادها ان عملية الصعود تبدو انتقائية، ليس في إطار محدد (حلفاء وخصوم)، وانما باتت في دائرة أضيق، تعتمد على مدى الالتزام بالقواعد المرسومة دون هوامش كبيرة للمناورة

ولعل الاختلاف الجذري الذي يمكن استلهامه من الطرح سالف الذكر، يتجلى في كون العولمة في ذاتها شرطا رئيسيا للصعود، خلال الحقبة الماضية، عبر قرار داخلي من الدولة بفتح اسواقها، وقدرتها على اختراق الأسواق، فكان السوق هو الاساس الذي تبني عليه الدولة موقعها في النظام الدولي، وهو ما ساهم في صعود قوى كبيرة على غرار الصين، بينما تبدو عولمة الـ”GAPS" أكثر تعقيدا، فالانفتاح مدار والصعود ليس نتيجة مضمونة له، في ضوء شروط أخرى تفرضها طبيعة النظام نفسه.

الشروط التي تفرضها الحقبة الجديدة، تتسم بقدر كبير من التشابك، حيث تتراوح بين طبيعة التحالفات التي تتبناها الدولة، وما تمتلكه من بنيّة أساسية وتكنولوجية، مع قدرة على إدارة المخاطر والأزمات، بالإضافة إلى ما تمتلكه من مرونة مؤسسية ناهيك عن استقرار امني يتجاوز التقليدية الكلاسيكية إلى مواكبة التحديات الجديدة في صورتها السيبرانية والتكنولوجية.

معضلة الـ”GAPS” تتجلى في كونها مزيج من الانفتاح على مستوى القاعدة، عبر إتاحة البيانات والمعلومات، على النحو الذي أسلفت في مقالي السابق، حيث تتدفق بسهولة من خلال المنصات والتطبيقات، إلا أن أدوات الانتاج تتركز في يد فئة محدودة جدا من الدول، باعتبارها أصل سيادي محصن سياسيا.

فإذا كانت البيانات والمعلومات تضاهي السلع والخدمات في العقود الماضية، والخوارزميات هي المصانع او الية التشغيل، فإن انتقال الأخيرة للعمل خارج مراكزها الرئيسية يبدو عملية غاية في التعقيد، لأبعاد متعددة تتعلق بالامكانات وتوافر البنية التكنولوجية، إلا أن الجانب الأهم يرتبط في الاساس بالبعد السيادي المفروض عليها، وهو ما يمثل اختلافاً جذريا عن حقبة السوق الحر، والذي كان يسمح بانتقال الاستثمارات من دولة إلى أخرى بسهولة ويسر

فلو كانت “GATT” و”GATS” خلقا امكانية تقليل الفجوة بين دول العالم المتقدم والنامي عبر الانفتاح، فإن الـ”GAPS" يفضي إلى تكريس موقع القمة عبر إحاطة الأدوات الكبرى بإطار سيادي أكثر تحصينا، بحيث لا تعامل باعتبارها سلعا قابلة للانتقال الحر، بل أصولا استراتيجية تخضع لاعتبارات سياسية وأمنية وتحالفية، خاصة مع اعادة تموضع القوى الناشئة وقدرتها على اقتناص مواقع كبرى، وبالتالي فإن هذه الادوات لا تعامل معاملة السلع او الخدمات وليس بصيغة الاستثمارات المباشرة بالشكل التقليدي، ولكن بصورة انتقائية تعتمد على حزمة من الاعتبارات السيادية في اطار التحالفات والتكنولوجيا والكيفية التي تدار بها العلاقة مع العالم الخارجي

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بجملة من المتغيرات التي أعادت صياغة منطق العولمة ذاته، فالتشابك المتزايد بين الاقتصاد والأمن، وارتباط التكنولوجيا بالبنية الاستراتيجية للدول، إضافة إلى صعود قوى ناشئة قادرة على استثمار قواعد العولمة الكلاسيكية لصالحها، دفع بالقمة إلى إعادة تعريف أدواتها باعتبارها أصولًا سيادية لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق السوق.

ومع انتقال مركز الثقل العالمي تدريجيا نحو تعددية أكثر تنافسية، لم يعد أدوات القمة قابلة للانتقال الحر في ظل ما قد تسفر عنه الحرية المطلقة التي أرستها الحقبة الماضية من تكلفة باهظة، وبالتالي أصبح الانتقال فيما يتعلق بتلك الأدوات جزء من معادلة الحفاظ على الموقع داخل نظام دولي أكثر اضطرابا، وهو ما يساعد على فهم التحول في أولويات الصراع لدى واشن خلال العقد الماضي، حيث أصبح التركيز أكبر على بكين على حساب موسكو، والمفارقة أن الأخيرة خصم جيوسياسي لكنه لم يستفد من العولمة، بينما تبقى الصين هي القوى التي تمكنت من الاستفادة من قواعد العولمة الكلاسيكية، إلى الحد الذي سمح لها بتقليص الفجوة مع القمة بالقدر الذي يؤهلها للمشاركة في صياغة القرار الدولي.

وهنا يمكننا القول بأن العولمة في زمن الـ”GAPS” لا تنقلب على ذاتها بقدر ما تعيد ترتيب بنيتها؛ فهي لا تتخلى عن منطق الانفتاح، لكنها تحصره في القاعدة، بينما تُدار القمة بمنطق سيادي أكثر تحصينا، بينما لم يعد الاندماج في السوق العالمي كافيا لضمان الصعود، كما كان يتصور في العقود الماضية، بل أصبح الارتقاء مرهونا بشروط تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والتكنولوجيا وإدارة التحالفات، وبالتالي فإن فرص الدول للحاق بالقمة تتحول من مسار طبيعي إلى استثناء مشروط، بما يعكس انتقال النظام الدولي من عولمة قائمة على التعميم إلى عولمة تدار بوعي تراتبي أكثر صلابة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة