"صحاب الأرض".. فلسفة الرمز بين التعبير عن الهوية والوجود

الإثنين، 02 مارس 2026 10:00 م
"صحاب الأرض".. فلسفة الرمز بين التعبير عن الهوية والوجود كامل الباشا

محمد عبد الرحمن

في لوحة درامية مكثفة، يقدّم مسلسل صحاب الأرض معالجة تتجاوز السرد التقليدي لأحداث الحرب، ليغوص في طبقات أعمق من الرمزية والمعنى.

الكاتب عمار صبري، والمخرج من بيتر ميمي، قدّما شخصية "عم إبراهيم" كأحد أهم المفاتيح الدلالية في العمل، الشخصية التي جسدها الفنان الفلسطيني القدير كامل الباشا لم تكن مجرد رجل مسن يعاني من الزهايمر؛ بل تحولت إلى استعارة بصرية وفكرية لفلسطين نفسها.

في أحد أكثر المشاهد توترًا، يقع "عم إبراهيم" في قبضة جنود الاحتلال، يتعرض للتهديد والتنكيل من ضابط إسرائيلي. المشهد مشحون، لكنه لا يُبنى على الصراخ أو الانهيار، بل على نظرات ثابتة، عميقة، تختزن تاريخًا من الصمود، ومن هنا تتجلى الرمزية، حيث يظهر (إبراهيم) رجل مصاب بفقدان الذاكرة، لكنه لا يفقد كرامته، جسد منهك، لكن روحًا عصية على الكسر.

الزهايمر في هذا السياق لا يرمز فقط لمعاناة كبار السن في زمن الحرب، بل يلامس فكرة محو الذاكرة الجمعية، ومحاولات طمس التاريخ والهوية. وكأن العمل يقول: حتى لو حاولت الظروف أن تسلب الذاكرة، تبقى الجذور راسخة في النظرات والمواقف.

الطرح الفكري للعمل يستدعي مقارنة أدبية مع رواية 1984 للكاتب البريطاني جورج أورويل، التي صوّرت مجتمعًا شموليًا تُختزل فيه قيمة الإنسان إلى رقم، ويُراقب تحت سلطة "الأخ الأكبر".

في "1984" تُسحق الفردية، يُزوّر التاريخ، يُجرّم التفكير المستقل، يتحول البشر إلى أدوات وظيفية بلا هوية، وفي في "صحاب الأرض"، فالسرد يسير في الاتجاه المعاكس؛ إذ يعيد الاعتبار للإنسان الفرد، ويؤكد أن خلف كل رقم في نشرات الأخبار حكاية، وذاكرة، ومشاعر، واسم.

العمل يطرح سؤالًا فلسفيًا مهمًا: هل تختزل الحروب الناس إلى أرقام في تقارير إخبارية؟ أم أن كل رقم يحمل حياة كاملة لا يمكن قياسها بالإحصاءات؟، وذلك من منظور أدبي مختلف، لطالما عبّر فيودور دوستويفسكي في أعماله عن فكرة أن العمر أو السنوات ليست ما يحدد قيمة الإنسان، بل تجاربه وعمق معاناته. السنوات مجرد أرقام، أما الحياة فشيء آخر تمامًا.

ما يميز "صحاب الأرض" أنه لا يرفع شعارات مباشرة، بل ينسج رمزيته بصنعة ناعمة/ عم إبراهيم ليس خطيبًا سياسيًا، ولا بطلاً خارقًا؛ إنه رجل عادي، وهذا ما يمنحه قوته، وفي زمن تُختزل فيه المآسي إلى بيانات وأرقام، يأتي العمل ليذكّرنا بأن: الذاكرة مقاومة، الهوية ليست قابلة للمحو، والإنسان أكبر من أي رقم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة