يترقب المسلمون ليلة القدر في العشر الأوخر من رمضان في الليالي الوترية، وهي فى كتب التراث الإسلامى ليلة تأسيس معنوى فى الوجدان الإسلامي، لأنها ارتبطت ابتداءً بنزول القرآن، وبها اكتسب الزمن نفسه قداسة خاصة داخل شهر رمضان، ولهذا وقف عندها المفسرون طويلًا، بوصفها مفتاحًا لفهم العلاقة بين الوحى والزمن والعبادة، وقد ربط جمهور المفسرين بين سورة القدر وقوله تعالى فى سورة الدخان: "إنا أنزلناه فى ليلة مباركة"، معتبرين أن الليلة المباركة هى نفسها ليلة القدر، وأنها من ليالى رمضان.
وعندما تناول المفسرون معنى اسمها، تعددت العبارات وبقى الجوهر واحدًا، فالطبرى يورد أن معنى "القدر" يتصل بالحكم والقضاء، أى الليلة التى يُقدَّر فيها ما يكون فى السنة من الآجال والأرزاق وسائر الأمور، بينما يذهب القرطبى إلى أن من معانيها أيضًا الشرف والعظمة، فهى ليلة ذات قدر عظيم ومنزلة رفيعة، وهكذا جمع التراث بين معنى التقدير الإلهى ومعنى القيمة الروحية، فصارت ليلة القدر عندهم ليلة يُقضى فيها الأمر، وليلة يعلو فيها قدر العبادة والطاعة.
وعند قوله تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر"، بدا اهتمام المفسرين واضحًا بإبراز الفارق بين الزمن العادى والزمن المفعم بالبركة، فالقرطبى وابن كثير وغيرهما يبينون أن العمل الصالح فيها خير من العمل فى ألف شهر ليس فيها ليلة قدر، وهو تفسير جعل الليلة فى المخيال الإسلامى ذروة الشهر كله، لأن العبادة فيها لا تُقاس بمقدار زمنى مباشر، بل بما تحمله من مضاعفة للرحمة والفضل، ومن هنا تحولت الليلة فى التراث من مناسبة دينية إلى رمز لفكرة أوسع: أن لحظات بعينها قد تحمل من الخير ما يفوق أعمارًا مديدة.
وفى شرح قوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"، اتجه جمهور المفسرين إلى أن "الروح" هو جبريل عليه السلام، وأن كثرة تنزل الملائكة فى هذه الليلة علامة على وفرة الرحمة والسكينة، أما قوله: "سلام هى حتى مطلع الفجر"، فقد حمله كثير من أهل التفسير على أنها ليلة سلام من الشرور والآفات، أو أن الملائكة تسلم فيها على أهل العبادة والطاعة حتى يطلع الفجر، وفى هذا المعنى تبدو ليلة القدر فى كتب التراث ليلة امتلاء روحي، لا يقتصر فضلها على الثواب، بل يمتد إلى السكينة التى تغمر المؤمنين فيها.
أما كتب الحديث، فقد تعاملت مع ليلة القدر بمنهج يلفت النظر، إذ لم تجعل الاهتمام منصبًّا على تحديد تاريخ ثابت نهائي، بقدر ما وجهت المسلمين إلى التحرى والاجتهاد، ففى الصحيحين ورد الأمر بالتماسها فى العشر الأواخر، وفى الأوتار منها على وجه الخصوص، وهو ما فهمه العلماء على أن الحكمة ليست فقط فى معرفة الليلة، بل فى إحياء هذه الأيام جميعًا بالقيام والدعاء والذكر. وبهذا المعنى، فإن التراث لم يرد أن يحصر ليلة القدر فى معلومة زمنية جامدة، بل أراد أن يجعلها باعثًا على الاجتهاد الروحى فى خاتمة رمضان كلها.
ومن هنا يمكن القول إن ليلة القدر فى كتب التراث اجتمع لها ما لم يجتمع لغيرها من الليالي: شرف نزول القرآن، ومعنى التقدير الإلهي، ومضاعفة الأجر، وكثرة تنزل الملائكة، وامتلاء الليل بالسلام حتى مطلع الفجر. ولذلك بقيت، فى الوعى الإسلامى القديم والحديث، ذروة الليالى الرمضانية جميعًا، وبقى الحديث عنها فى كتب التراث حديثًا عن المعنى الأعمق للزمن حين يلامسه الوحي، وحين يتحول الليل إلى مناسبة كبرى للرحمة والرجاء والاقتراب من الله.