عصام محمد عبد القادر

رمضان... انضباط الجوارح

الأحد، 15 مارس 2026 03:06 م



يتوهّج فحوى الصيام حين يملأ القلب صفاءً، وتفيض الروح سكينةً ورحمة؛ فالصيام ليس مجرد جوعٍ يُتعب البدن، بل هو سموٌّ يطهّر الجوارح ويهذّب النفوس، حين يمسك اللسان عن جرح القلوب، وتكفّ اليد عن أذى الخلائق، وترتقي الروح فوق عثرات البشر، وفي رمضان، تزكو النفوس، وتترسخ فيه قيم نبيلة، وتظهر صور الاستقامة؛ فتتجلّى العبادة في صفاء القلب، ولطف الكلمة، وحسن المعاملة ورقّتها، ويصبح الصيام طريقًا يقرّب المرء من معاني الخير والجمال في نفسه وفيمن حوله.

ندرك أن الصيام ليس جوع بطن فحسب، بل سمو في الخلق وارتقاء في السلوك؛ فلا صيام لمن جاع بطنه واستمرأ إيذاء الناس بلسانه أو نظراته؛ فليكن عبادة الصوم سبيلًا إلى طهارة الظاهر والباطن، وبيئة مفعمة تعمل على تعزيز مقومات المودة وإرساء صفاء لا يكدّره خلق غير قويم، ولتحقق الشعيرة تزكية النفس؛ كي تسمو بالرحمة واللين والرفق؛ فالغاية الأسمى منها بلوغ باب التقوى، التي يتمخض عنها سلوكًا قويمًا يضبط حركة الإنسان في مجتمعه، ويرتقي بتعاملاته مع الآخرين.

نوقن أن العطش الذي ييبس الشفاه، ويتعب الجسد لا يحقق معناه الحقيقي ما لم يروِ القلب بنور ضياء الحكمة، ويهذّب العقل بصفاء الإدراك، ويعود البنان واللسان على حلاوة الفعل وطيب القول؛ فما فائدة أن يمتنع الإنسان عن الطعام، والشراب؟، إذا كان لسانه يجرح، ويؤذي، ولا نغالي إذ نقول: إن الكلمة القاسية قد تسلب الصيام روحه، وتجعل العبادة، التي أرادها الله طريقا؛ لتهذيب النفس، والسمو بها مجرد مشقة للبدن؛ ومن ثم يخلو ويخبو أثرها المنشود في السلوك.
يأتي رمضان؛ ليؤكد في وجداننا أهمية ضبط الجوارح، وضرورة التمسك بالخلق القويم؛ ليخرج الصائم من هذا أيام هذا الشهر فضيل المناقب بقلب أكثر صفاءً، ولسان رطبًا، وسلوك مستقيمًا؛ فيثمر نتاج صيامه عن تقوى القلوب ونقاء الأفئدة والسرائر؛ فتبدو الحياة مفعمة بأفعال البر والخير، ويغدو التعامل في أوج حسنه مع بني البشر، وهنا نرتقب أن تتحول العادات الرمضانية إلى ممارسات تعبدية، تسهم في إصلاح المعوج وتضبط ميزان الطباع؛ حيث تفعيل بوابة المراقبة الذاتية لكل حركة، وسكون.

رمضان هبة غالية من رب العباد جل في علاه؛ إذ تأتي الشعيرة؛ كي ترتقي بمكنون الروح، وتصفّي مرآة القلب، ليتهيأ الوجدان للقيام بممارسات تعد في مجملها شمائل تزيد من وشائج الرباط والود والمحبة بنية التقرب من الله تعالى، وهذا ما يجعل من شهر المغفرة والرضوان مدرسة تعلن غاياتها السامية في إطار فلسفة تقويم السلوك بغية أن نصل إلى صياغة إنسان يتصف بنقاء يسكن أعماقه، وأثر طيب، يفوح في مجتمعه، مبرهنًا عن المعنى الحقيقي للصيام، الذي يجمع بين إمساك البطن، وانضباط الجوارح، وسلامة الصدر من كل غلّ، أو حقد.

حين نتأمل قيم رمضان نجد أن الجود من أجمل معانيه، فقد كان نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أنموذجًا يقتدى به في صورة العطاء المستدام، ومن ثم نوقن أن السخاء، يعطي بثقة، ويقين بأن خزائن الله- عزوجل-، لا تنفد، وهنا ينبغي أن نمد يد العطاء قبل أن يبادر السائل بسائله؛ فهذا بالطبع يخفف ألم الحاجة، ويزيد من المحبة ويزرع في القلوب سكينة وطمأنينة.

يعلّمنا رمضان أن المال إذا حبس أثقل صاحبه، أما إذا بذل في الخير رفع قدره، وباركه الله-عزوجل- له، لذلك يظهر انضباط الجوارح في هذا الشهر، حين تتعوّد اليد على العطاء، وتتحرّر النفس من الشح؛ فيصبح الصيام تدريبًا على الكرم؛ فيسمو الإنسان بأخلاقه ويزداد قربا من معاني الرحمة، والخير، ونرى أن صور التكافل الاجتماعي في مناطها، حين يشعر الغني بألم الفقير؛ فيسارع إلى مواساته بشتى الطرائق.

تظل أسمى آيات العطاء، وأرفع مراتب السمو في أن يبذل الإنسان من روحه، ونفسه في سبيل الحق، ونصرة الخير؛ فذلك هو الجود الأسمى، والتضحية العظمى، التي ترتقي بالصائم من أسر الذات إلى رحاب الرفعة، والارتقاء؛ ليصبح صيام جوارحه عطاء متصلا، يحيي القلوب، ويعلي القيم، ويجعل من كل يوم في رمضان لبنة في بناء شخصية مؤمنة، تدرك أن فحوى العبادة تستهدف تهذيب الطباع، وترقية الأخلاق؛ كي تجعل من الصائم منارة خير، حيثما حلّ، وارتحل.

اللهمّ تقبل صيامنا، وقيامنا، واغفر لنا، ولوالدينا، وارحم أمواتنا، واشف مرضانا، واجعل رمضان رحمة للأحياء، ونورا في قبور الراحلين، واكتب لنا فيه القبول، والعتق من النار.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة