عاد التضخم ليشكل صداعًا اقتصاديًا جديدًا في أوروبا، بعدما ارتفع إلى نحو 3%، في إشارة واضحة إلى أن القارة العجوز لم تغادر بعد دائرة الضغوط الاقتصادية التي بدأت منذ أزمة الطاقة العالمية، وتفاقمت مع التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واضطرابات سلاسل الإمداد.
ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل
هذا الارتفاع الأخير في معدلات التضخم جاء مدفوعًا بزيادة أسعار الطاقة والغذاء والنقل، وهي القطاعات الأكثر تأثيرًا على حياة المواطنين اليومية، ما جعل موجة الغلاء الحالية أكثر وضوحًا في الأسواق الأوروبية، سواء في فواتير الكهرباء أو أسعار الوقود أو حتى تذاكر الطيران.
وبحسب بيانات التداول الأوروبية، بلغ سعر خام برنت حاليًا أقل قليلًا من 104 دولارات للبرميل، بينما يدور سعر الغاز الطبيعي في مؤشر TTF الهولندي – وهو المؤشر المرجعي لأسعار الغاز في أوروبا – حول 45 يورو لكل ميجاواط/ساعة، ما يزيد الضغوط على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تعاني من آثار أزمة الطاقة الممتدة منذ سنوات، وفقا لصحيفة 20 مينوتوس الإسبانية.
وتسببت هذه الارتفاعات في تراجع مؤشرات الأسهم الأوروبية، حيث سجل مؤشر CAC 40 الفرنسي خسائر بلغت 1.2% ليكون الأسوأ أداءً بين الأسواق الكبرى، بينما انخفض مؤشر STOXX 600 الأوروبي بنسبة 0.2%، وتراجع مؤشر DAX الألماني بنحو 0.4%، في المقابل، كان مؤشر WIG 20 البولندي هو الاستثناء الوحيد تقريبًا، بعدما ارتفع بنسبة 1%.
ووفقًا لبيانات مؤشر TTF الهولندي ارتفع السعر إلى نحو 45-46 يورو لكل ميجاواط/ساعة يوم 11 مايو، مع صعود يومي تجاوز 3% إلى 5% في بعض الجلسات. كما تشير التقديرات إلى أن الأسعار ما زالت أعلى بنحو 27% مقارنة بالعام الماضي، وفقا لصحيفة 20 مينوتوس الإسبانية.
ولذلك فيعتبر، قطاع الطاقة في صدارة العوامل الضاغطة، حيث ساهمت التقلبات في أسعار النفط والغاز في رفع تكاليف الإنتاج والنقل، خاصة مع استمرار المخاوف من اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود في محطات التزود داخل دول الاتحاد الأوروبي.
أسعار الغذاء
كما شهدت أسعار الغذاء ارتفاعًا ملحوظًا، نتيجة زيادة تكاليف الاستيراد والطاقة المستخدمة في الإنتاج والنقل والتخزين، وهو ما أثر على أسعار السلع الأساسية داخل المتاجر الكبرى، ودفع العديد من الأسر إلى تقليل الاستهلاك أو التحول إلى بدائل أقل تكلفة.
قطاع النقل
أما قطاع النقل، فقد تأثر بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب زيادة تكاليف التشغيل لشركات الطيران والنقل البري، ما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر والخدمات اللوجستية، وهو ما يثير مخاوف من تراجع حركة السفر خلال موسم الصيف.
تحذيرات خبراء الاقتصاد
وفي هذا السياق، حذر خبراء اقتصاد من أن استمرار الضغوط التضخمية قد يؤدي إلى صيف اقتصادي صعب في أوروبا، خاصة مع ارتفاع الطلب الموسمي على الطاقة والسفر، ما قد يضاعف الأعباء على الأسر والشركات على حد سواء.
وتواجه الحكومات الأوروبية تحديًا معقدًا في الموازنة بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي، في وقت لا تزال فيه السياسات النقدية للبنك المركزي الأوروبي تميل إلى التشديد عبر أسعار الفائدة المرتفعة، بهدف احتواء موجات الغلاء.
لكن هذه السياسات، رغم فعاليتها في السيطرة على التضخم جزئيًا، تزيد من تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد، ما يبطئ وتيرة الاستثمار ويضغط على سوق العقارات والقطاعات الإنتاجية.
في المقابل، لا تزال التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تلعب دورًا محوريًا في تحريك الأسواق، حيث تؤدي أي اضطرابات في إمدادات النفط أو الغاز إلى انعكاسات فورية على الأسعار العالمية، وهو ما يجعل التضخم الأوروبي شديد الحساسية لأي تطورات خارجية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة لاراثون الاسبانية.
كما أن أزمة سلاسل الإمداد العالمية لم تتعافَ بالكامل بعد، حيث ما زالت بعض القطاعات تعاني من تأخيرات في الشحن وارتفاع تكاليف النقل البحري والجوي، ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الأسعار.
ويرى محللون، أن أوروبا تدخل مرحلة تضخم مرن لكنه مزمن، حيث لا يشهد قفزات حادة كما في السنوات السابقة، لكنه يظل أعلى من المستويات المستهدفة للبنك المركزي الأوروبي، ما يعني استمرار تأثيره على الحياة اليومية لفترة أطول.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الأسر الأوروبية ستواجه صيفًا أكثر تكلفة، سواء في فواتير الطاقة أو الغذاء أو السفر، بينما ستظل الشركات تحت ضغط تقلبات الأسعار وضعف القدرة الشرائية، ما يجعل التعافي الاقتصادي أكثر تعقيدًا في المرحلة المقبلة.