شحاتة زكريا

إيران… قراءة واقع الشرق الأوسط

الأحد، 15 مارس 2026 06:00 ص


في قلب الشرق الأوسط حيث تتشابك السياسة مع الدين والتاريخ مع الجغرافيا تظل إيران محور اهتمام دائم. ليس لأنها دولة كبيرة أو قوية فقط بل لأنها قوة تؤثر وتتشابك تحركاتها مع كل حدث إقليمي ودولي. من الاتفاق النووي إلى التدخل في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومن التوتر مع الخليج إلى العلاقات المتقلبة مع القوى العالمية يبدو أن كل خطوة إيرانية تقاس بعشرات الحسابات الدقيقة .. إيران اليوم تواجه واقعا مزدوجا: طموحات إقليمية واسعة وضغوط داخلية اقتصادية واجتماعية شديدة. الأزمة الاقتصادية التي تتمثل في تضخم قياسي وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتباطؤ النمو تتقاطع مع العقوبات الدولية الصارمة وتفرض على الحكومة قيودًا على التحرك. في الوقت نفسه يحاول النظام تعزيز نفوذه في المنطقة من خلال أذرعه الإقليمية واستثماره الفراغ الاستراتيجي الذي يتركه ضعف بعض القوى المجاورة أو التردد الدولي.
من منظور إقليمي تتحرك إيران في لعبة معقدة بين النفوذ والتأثير والتكلفة. الصراعات الأخيرة في غزة وسوريا واليمن وتوتر علاقاتها مع بعض الدول الخليجية تظهر أن إيران لا تبحث فقط عن موقع في الملفات بل تريد رسائل سياسية واستراتيجية واضحة، تعزز مكانتها على كل المستويات. لكنها تدرك أن كل خطوة تحمل تكاليف عالية داخليا وخارجيا سواء على صعيد الاستقرار الاقتصادي أو على مستوى الرأي العام الإقليمي والدولي .. التحدي الأكبر لإيران اليوم هو توازن الداخل مع الخارج. الشعب الإيراني يعيش ضغوطا متزايدة من ارتفاع أسعار السلع إلى بطالة الشباب والقيود المفروضة على التجارة والنقد الأجنبي وكلها عوامل تجعل أي مغامرة خارجية محفوفة بالمخاطر. فالقوة السياسية تُقاس هنا بقدرة الدولة على إدارة الداخل وتأمين استقرارها الاقتصادي والاجتماعي قبل التوسع في الخارج. من زاوية اقتصادية تمثل إيران نموذجا للدول التي تتعامل مع تحديات مزدوجة: عقوبات دولية مستمرة وأزمات إقليمية تتطلب تدخلات عسكرية ودبلوماسية. والسياسات الاقتصادية الداخلية مثل ضبط الأسعار أو دعم القطاعات الإنتاجية لا يمكنها مواجهة تقلبات الأسواق العالمية مثل أسعار النفط والغاز أو اضطرابات حركة الملاحة والتجارة الدولية.
كما أن قراءة التحركات الإيرانية اليوم تتطلب فهما دقيقا لتوازن القوى الإقليمية والدولية. كل قرار إيراني سواء كان سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا، له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها. وهذا يتطلب من الدول المجاورة بما فيها مصر تقدير كل خطوة وإدارتها بحكمة لتجنب أي تداعيات محتملة على الأمن والاستقرار المحلي والإقليمي.. الأبعاد الإنسانية لهذه السياسات لا تقل أهمية. فكل تدخل خارجي أو صراع مسلح ينعكس على حياة المواطنين ويزيد من معاناتهم اليومية. وبالتالي لا يمكن فصل القرارات السياسية عن الواقع الاجتماعي لأن القوة التي لا تراعي حياة الناس لا تترك أثرًا إيجابيا طويل المدى ..الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة إيران الحالية هو أن النفوذ الحقيقي ليس مجرد قوة خارجية أو تحكم بالأسلحة بل هو قدرة الدولة على إدارة الداخل وتحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي لشعبها والتخطيط الاستراتيجي على المدى الطويل. الدولة التي تهمل هذا الجانب قد ترى نفوذها يتراجع بسرعة مهما كانت قدراتها العسكرية أو السياسية.
من زاوية أخرى فإن إيران تعلم أن أي خطأ في الحسابات يمكن أن يترك آثارا على استقرارها الداخلي وعلى موازين القوى في المنطقة. ولذلك تتسم تحركاتها بالحرص والتأن وهي تحاول دائمًا تحقيق التوازن بين الطموح والقدرة على التحمل بين النفوذ الداخلي والخارجي بين السياسة والاقتصاد ..في ضوء هذه الرؤية يمكن القول إن قراءة دور إيران في الشرق الأوسط اليوم تتطلب الابتعاد عن الأحكام السطحية أو الأحادية. فهي ليست دولة يمكن فهمها من خلال حدث واحد أو قرار سياسي واحد بل من خلال تراكم الأحداث وقراءة كل خطوة في سياقها الزمني والجغرافي والاستراتيجي.. ختاما تظل إيران جزءا لا يمكن تجاهله من المعادلة الإقليمية. لكن التعامل معها بنجاح يعتمد على فهم دقيق لموازين القوة والتأثير، وتحليل شامل لمستوى التحديات الداخلية والخارجية ومراعاة البعد الإنساني والاقتصادي. وأي استراتيجية قائمة على التهويل أو التقليل من شأنها لن تصمد أمام واقع المعقد والمتشابك الذي يعيشه الشرق الأوسط اليوم.. إن القوة الحقيقية كما يعلم التاريخ ليست فقط في القدرة على التأثير على الخارج بل في القدرة على إدارة الداخل، وتأمين حياة كريمة لشعبك وضمان استقرار اقتصادي وسياسي مستدام. ومن هذا المنطلق تصبح قراءة إيران وفهم تحركاتها ضرورة لكل من يريد أن يتعامل مع مشهد الشرق الأوسط بحكمة وواقعية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة