عصام محمد عبد القادر

رمضان.. بوابة الجود

الثلاثاء، 10 مارس 2026 05:54 ص


من استنارت بصيرته بنور اليقين، وامتلأت روحه بمعرفة البيان، يدرك أن شهر رمضان المبارك ليس أيام معدودة تمر سريعًا في زحام العمر ثم تُنسى، أو طقوس تؤدى بآليّة رتيبة، أو ابتهالات ترددها الألسن دون أن تمس القلوب؛ لكنه ميقات رباني عظيم جعله الله سبحانه وتعالى فيضا من رحمته، وملاذًا نلوذ به حين ترهقنا مشاغل الدنيا، فنرتوي من صفائه، ونجدد فيه طريق السالكين إلى الله، أولئك الذين صفَت نفوسهم من شوائب دار الفناء.
من خلال شهر الفضيلة ندخل أبواب التقوى؛ حيث يهدأ الضجيج، وتناجي الروح خالقها بصدق وإخلاص؛ إذ نتعلم كيف نعمل بصدق، ونؤدي الأمانة التي حُمّلناها، ونسعى إلى تحقيق الغايات السامية لوجودنا بالإحسان والعطاء في هذه الحياة، وننطلق بعد ذلك في رحاب طاعة الله، نجتهد ونثابر، ونبذل من قلوبنا وأعمالنا؛ رجاء أن نظفر بالثمرة الطيبة التي أودعها الله في هذه الأزمنة المباركة، لتكون نورًا يهدي السائرين، وذخرًا يبقى حين تمضي الأعمار.
في لحظات غروب الشمس، حين تتوشح السماء بخيوط الوداع، ومع بزوغ الفجر الذي يحمل أنفاس ميلاد جديد، وفي صفاء الليل الساكن حين يرخي سدوله؛ تتنزل نسمات تشرح الصدور، وتفيض رحمات ربانية، وترتفع دعوات صادقة تفتح لها أبواب السماء، فتعود على القلوب سكينة وشفاء، وتجبر الخواطر وتخفف الآلام، وفي مثل هذه الأجواء يجد الإنسان ملجأً آمنًا ومرفأ حانيًا، تستريح فيه النفس المجاهدة، التي أثقلها عناء الحياة؛ فتأوي أخيرًا إلى طمأنينة عميقة لا يكدّرها صخب، ولا تمزقها هواجس القلق، بل تغمرها سكينة القرب من الله؛ فتخمد ضوضاء الهموم ويهدأ اضطراب القلب، وتستقر الروح في أفق من الصفاء والرضا.
هذه الطمأنينة تعد الغاية الكبرى، والمقام الرفيع الذي تتطلع إليه قلوب العابدين المخلصين، وهم يترقبون بشوق ولهفة إشراق ليلة القدر، تلك الليلة المباركة، التي أخفى الله موعدها امتحانًا لصدق الساعين إليه، وحثا لهم على دوام الاجتهاد وصدق التوجه، ومع هذا الخفاء لا تخبو أعمال الخير ولا تفتر، بل يزداد نورها ويعظم أثرها؛ لأن شهر الرحمة يوقظ القلوب من غفلتها، ويبعث الأرواح إلى الطاعات والقربات الخالصة، لترفع الإنسان فوق أثقال الدنيا، وتحلق به في آفاق الطهر والنور؛ حيث يصفو العمل، ويخلص القصد، ويبقى أثره ممتدًا، شاهدًا على لحظات صفاء صدقت فيها القلوب، واقتربت فيها الأرواح من ربها اقتراب رجاء ومحبة وسكينة.
تستمد القلوب من مشكاة النبوة أسمى معاني الإنسانية، فنجد أن خير البرية وسيد الثقلين وإمام المتقين، النبي محمد ﷺ، هو قدوتنا العظمى ومرشدنا إلى دروب الجود والعطاء في رمضان وفي سائر الأوقات، ومن هذا المعنى يليق بنا أن نتأسى بالمصطفى ﷺ، الرحمة المهداة والنعمة المسداة، الذي شهد له التاريخ بسخائه الفياض وعظيم عطائه، حتى وصف بأنه أجود بالخير من الريح المرسلة؛ تلك الريح التي يعم نفعها الآفاق ولا تحجب خيرها عن أحد، بل تمضي حيث شاء الله لها أن تمضي، مبذولة العطاء، واسعة الأثر.
فكيف بالقلوب المؤمنة وهي تتخذ هذا النبي الكريم قدوة وهديًا، وتستلهم من سيرته معاني السخاء وصفاء البذل؟ إن في الاقتداء به طريقا يحرر النفس من البخل ويطهرها من الشح، ويهذب الروح على البذل في خفاء وإخلاص، حتى يصبح العطاء خلقًا راسخًا وسجية دائمة، تمتد آثارها في المجتمع رحمة وتراحمًا، وخيرًا يفيض على الناس.
رمضان، بما يحمله من نفحات إيمانية وأسرار ربانية، يوقظ في القلوب خلقًا كريمًا عظيم القدر هو السخاء؛ فالسخاء ليس مجرد إنفاق للمال، بل هو صفاء في الروح، ورحمة في القلب، وجسر من نور يقرب العبد من ربه، ويؤلف بين قلوب الناس، ومن خلاله يعبر الإنسان إلى الفلاح؛ فيكون من أهل الإيثار الذين يبقى ذكرهم جميلًا في ذاكرة الزمن، وتظل آثار عطائهم شاهدة على نقاء سريرتهم وصدق توجههم.
وهكذا يغدو السخاء في هذا الشهر المبارك عبادة تحيي الأشواق، وتوقظ معاني الرحمة والتراحم، وتطهر النفس من أدران البخل، وترفع الإنسان فوق متاع الدنيا الزائل؛ ليحيا بقلب أصفى، وروح أسمى، ونفس أقرب إلى رحمة الله، مستضيئا بنور البذل والعطاء، سائرا في درب الخير الذي تتلاقى فيه القلوب على المحبة والبر؛ فاللّهُمّ في ميقات جودك، جُد على قلوبنا بالسكينة، وعلى أبداننا بالعافية، وتغمّدْ أرواحاً، غادرتنا بوافر رحمتك؛ حتى نلج بوابة التقوى؛ أحياءً، وأمواتاً بفيض فضلك، وكرمك، وعطائك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة