خالد دومة يكتب: هول الباطن

الثلاثاء، 10 مارس 2026 10:57 م
خالد دومة يكتب: هول الباطن خالد دومة

قد يجهل الإنسان نفسه، وما بها من ميول ورغبات، فيحارب الشيء، وهو ممتلأ به، مغرم، يحدثك عن الصدق وفضائله، وما ينتظر الصادقين من جزاء في الدنيا والأخرة، وهو أكذب الناس، يحترفه ويضلل الأخرين عن ظهوره فيه، يحدثك عن النساء وعورات النساء، ولو هيأت له الفرصة بخلوة مع امرأة لاقتناصها، وفعل ما يحارب، ويبرر لنفسه بأن كل ابن خطاء وأن الله غفور رحيم، ولا يتألم لذنب، ولا تأنيب ضمير، يبكته ولو أنه صارح نفسه وأراد إصلاحها لما أبت عليه، ولكنه لا يعترف بما يصيبه، وقد لا يخطر على باله، هذا التناقض العجيب بين فعله وقوله، وأن غاية ما يتشدق به هو أكبر دليل على سلامته منها، وهي مغالطة للنفس تكاد مع الأيام أن تتحول إلى مرض نفسي يحتاج إلى العلاج.

يعترف الإنسان بخطئه، حين يكون أعلم بنفسه، وحين يعقل ما يجابهه من أحداث ويتعامل معها لمصداقية.

إن الأمراض النفسية، حين تتكالب على الإنسان، قد تؤدي به إلى الجنون أو أن تصاحبه طيلة حياته، تلازمه وتؤثر في أفعاله، وطريقة معيشته، ويفقد منها بقدر ما يكتسب، وتحيل حياته إلى سلسلة من الأرق النفسي، والقلق الروحي، يعيش أسير أمراضه، يتقلب بينها ويفر من مواجهتها، وتظل عالقة برأسه، حتى تقضي عليه، ويلتمس لها منافذ ومخارج في عالم الجن والعفاريت، كي يحمي نفسه من سوء الفعل واضطراب العقل، والنقص الكامن بداخله، تجاه مواجهة الأمور، فهي أكبر منه، ولكنه لا يعترف بعجز، وقد زين له شيطانه مدى عبقريته وذكائه، فلا شيء يقف أمامه عاجز، وقد أوتي من العقل والحكمة، ما لم يؤتى غيره فيرى من نفسه صورة ضخمة ومرتبة عالية، فإن أعترف بها غيره، وجرى على هواه، فقد رأى ما يجب، أما إذا أعترض ولم يرى تلك الصورة، فإنما هو الحقد والضغينة والحسد. وكثير من الناس مهووس بذاته، فخور بنفسه، فليس إلا هو، والكل دونه .....فهل نحن مرضى دون أن ندري، نحمل أثقال من الأمراض النفسية، التي تعبث بنا وبعقولنا وتتحكم فينا، ونسقط في مهاوي سحيقة بسببها دون أن نعلم أو نحاول أن نعلم، هروبا من مواجهتها، فنحن نقف على أعتاب عالم لم يترك الإنسان في أمر من أموره أو جزء منه إلا وعرضه على مائدة التشريح، ورغم الاكتشافات الكثيرة والمثيرة إلا إن ما خفي كان أعظم وأكبر، فالإنسان ككل صحته لا تتوقف على ما يظهر لنا من أمر الجسد فقط، فالصحة النفسية لها أثر على الجسد، كما أن علة الجسد، لها أثر على الصحة النفسية للإنسان، فكلا الجانبين لا يفترقان ومزجهما يكشف لنا عن طبيعة الشخص المراد الواقف أمامنا، فإذا ما تمت معرفته ودراسته أستطعت أن تتنبأ بسلوك معين أو أتجاه معين، فالغرض الأساسي أن نساعد أنفسنا في الكشف عما قد يؤثر على حياتنا سلبا، ويقف حائل أمام حياة صحية سليمة يرجوها الإنسان لنفسه، فكيف إذن يكون ذلك وما الخطوات التي تساعدنا في الأخذ بيد هؤلاء المرضى المغيبون؟ والذين لا يرون أنفسهم مرضى، بل أصحاء، فتكون العقبة هنا في إقناعهم أنهم غير أسوياء نفسيا وعقليا، فليس أمر المواجهة بالأمر السهل وهو اللبنة الأولى، التي يقام عليها صرح الجسد والنفس على أسس صحيحة، تجعل الإنسان بمنأى عن الأمراض، التي تعكر صفو حياته دون أن يدري بذلك، إن هناك أشياء من الصعب الاعتراف بها، تحتاج من المرء شيء من القوة النفسية والفكرية، وتحتاج إرادة كبيرة، ذلك لأنها تهزم الإنسان في ساحة الاعتزاز والكرامة، ولا شيء أصعب على النفس من مواجهة شيء والاعتراف به، من شيء ينزل بها ويقلل من شأنها، بقصد وبغير قصد، وأنت لا تملك لها شيء إلا العزاء، الذي لا يغني شيئا.

فالخلاصة.. أن الإنسان يعيش على تلك الذكريات، التي تشكل شخصيته وأفعاله تجاه الأشياء، فهناك تلك الذكريات القوية التي تنحفر في ذاكرته، فتؤثر فيه ويكون لها يد في تحديد سلوك معين يسلكه، وقد تكون هناك ذكريات عابرة، لا تمثل له شيء، وقد تمر به أخرى فلا يعطيها من العناية أقل تقدير، ولكن هناك أشياء تترسب في قاع الباطن، تتشكل وتتصرف وتؤثر دون وعي من الإنسان، أن لها أي تأثير، ربما بالهروب منها وإرادة نسيانها أو بتجاهلها أو محاولة قتلها ودفنها، ذلك أنها تُشين وتجرح، فلا طاقة لإنسان بمواجهتها أو تذكرها، إنها حية في ضميره، ظاهرة على تصرفاته وأفعاله، دون شعور منه، فتنقلب لمرض أو ما أشبه بالمرض ..فالصراحة والوضوح هي الشفاء من هول ما يفرضه الباطن على الإنسان، ولكن كيف يواجه الإنسان نفسه، كيف يقف عند ما يكدر عليه حياته، وهو أصلا لا يدري بما يعتريه وما يصيبه، وهو يتمعن في الهروب والإنكار، وإنه على ما يرام، فمجرد الوقوف هو اعتراف بالمرض، ولعل الأخرين يرونه مجنون مصاب في عقله، إن مجرد التفكير في البوح بها يضعه، موضع الريبة والظنون ..المواجهة لا شك صعبة في مجتمع يعيش على الكبت والحرمان، وأن الجهر سبة، وقلة عقل وقلة أدب، وينظر إليه المجتمع نظرة ازدراء، بالرغم من أن الكل يلتصق به، ما يشينه فلسنا ملائكة، وفي كل منا عيوب، ومواجهتها تسلك بالإنسان سبيل التخلص منها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة