يمر اليوم 95 عامًا على ميلاد الفنانة والمنتجة الكبيرة ماجدة الصباحي، التي وُلدت في 6 مايو 1931، لتصبح واحدة من أهم صناع السينما المصرية، وتترك خلفها رصيدًا من الأعمال التي خلدت اسمها وناقشت عدداً من أهم القضايا واشتبكت مع الواقع السياسى والاجتماعى، ولم تنس الأعمال الدينية العظيمة.
ارتبط اسم ماجدة في أذهان الجمهور بالصوت الرقيق الذي ينادي «ممدوح»، وبصورة الفتاة الحالمة أو “الدلوعة”، التي جسدت بها عالم المراهقة لأول مرة على الشاشة، في أفلام مثل «المراهقات»، حين قدمت شخصية “ندى”، "وعلية" الفتاة التي تتأرجح بين الطفولة والأنوثة، وبين التمرد والاحتياج للحب، فى فيلم "أين عمرى"، لكن هذا الوجه لم يكن سوى جزء صغير من حكاية أكبر بكثير.
فماجدة لم تكن مجرد ممثلة رقيقة، بل كانت صاحبة مشروع فني واضح، ومغامرة دفعت ثمنها من جهدها ودمها وأموالها، حتى كادت تفقد حياتها أكثر من مرة.
تنوعت أدوارها بشكل لافت، فكانت الأخت الكبرى العاقلة في «بنات اليوم»، والفلاحة البسيطة في «النداهة»، والمناضلة الجزائرية في «جميلة»، وبائعة الجرائد التي يردد الجمهور طريقتها حتى الآن في «بياعة الجرايد»، والصحفية التي توثق وجع الحرب في «العمر لحظة». كما تركت بصمة واضحة في السينما الدينية، من خلال «هجرة الرسول» و«انتصار الإسلام» و«بلال»، لتؤكد أن الفنان يمكن أن يجمع بين الحس الإنساني والالتزام بالقضية.
ولدت ماجدة، واسمها الحقيقي عفاف علي كامل أحمد عبدالرحمن الصباحي، في أسرة محافظة تنتمي لقرية مصطاى بمحافظة المنوفية، وكان والدها من كبار موظفي وزارة المواصلات، ونشأت في بيئة تضع قيودًا صارمة على عمل الفتيات، وهو ما جعل دخولها عالم الفن مغامرة محفوفة بالخطر .
بدأت الحكاية وهي في الخامسة عشرة من عمرها، حين ذهبت في رحلة مدرسية إلى أحد الاستوديوهات، فلفتت نظر المخرج سيف الدين شوكت، الذي رشحها لبطولة فيلم «الناصح» أمام إسماعيل ياسين عام 1949. وافقت الفتاة الصغيرة، وصورت الفيلم في الخفاء، فى مواعيد المدرسة، دون علم أسرتها.
لكن السر لم يدم طويلًا. فقد كتب الأديب إحسان عبدالقدوس مقالًا يشير فيه إلى أن “ابنة أحد كبار موظفي الدولة” ستظهر في فيلم جديد، لتبدأ الشكوك، وتصل الحقيقة إلى الأسرة، فتندلع أزمة كادت تنتهي بجريمة.
تعرضت ماجدة للضرب من شقيقها، الذي كاد يقتلها، واعتبرت الأسرة ما فعلته “عارًا”، ورفعت دعوى قضائية أوقفت عرض الفيلم بقرار من النيابة، وانتهى الموقف بتوسل المخرج لوالدها، لأنه سيخسر كل أمواله، فوافق الأب بشروط قاسية، جعلت ماجدة تعمل في الفن تحت رقابة صارمة، فكانت لا تذهب إلى التصوير إلا برفقة أحد أشقائها.
ورغم هذه البداية العاصفة، لم تتراجع ماجدة، بل اختارت أن تمضي في طريق أصعب، فأسست شركة إنتاج عام 1958، لتنتج أعمالها بنفسها، وتقدم موضوعات تؤمن بها، حتى لو تسببت فى خسارتها ماديًا، لتصنع فناً يحمل رسالة.
كان فيلم «جميلة» عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد هو نقطة التحول الأهم في حياتها، فقد قررت ماجدة إنتاج الفيلم عام 1958، بعد أن تأثرت بما نشرته الصحف عن قضية المناضلة الجزائرية التي كانت تنتظر حكم الإعدام.
جمعت الفنانة الكبيرة كل ما كُتب عن القضية، وذهبت إلى يوسف السباعي لكتابة القصة، واستعانت بنخبة من كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ وعلى الزرقانى وعبدالرحمن الشرقاوي، لكتابة السيناريو، لتخرج العمل في أفضل صورة ممكنة.
قصّت ماجدة شعرها من أجل الدور، ورفضت الاستعانة بباروكة، واقترضت من البنوك، رغم تهديد الإفلاس، وأصرت على استكمال الفيلم، الذي لم يكن مجرد عمل فني، بل كان بيانًا سياسيًا وإنسانيًا.
جابت به العالم، ونجحت في تحويله إلى قضية رأي عام عالمى، فخرجت مظاهرات في عدد من الدول تضامنًا مع جميلة بوحيرد، واحتجت فرنسا على عرض الفيلم، لكن الضغط العالمي ساهم في إنقاذ المناضلة الجزائرية من الإعدام.
لكن هذه المغامرة لم تمر بسلام. فقد أكدت ماجدة أنها تعرضت لمحاولات اغتيال في بيروت من متعصبين فرنسيين بسبب الفيلم، في واحدة من أخطر اللحظات في حياتها.
ورغم الخطر والخسائر، لم تتراجع، بل واصلت إنتاج أفلام وطنية ودينية، مثل «العمر لحظة» الذي تناول آثار النكسة وحرب أكتوبر، و«هجرة الرسول» و«عظماء الإسلام»، وهي أعمال كانت تعرف مسبقًا أنها لن تحقق أرباحًا، لكنها كانت ترى فيها استثمارًا في التاريخ، كما اكتشفت عدداً من نجوم الفن.
تقول ابنتها غادة نافع إن والدتها كانت تستدين من أجل هذه الأعمال، وهي تعلم أنها لن تدر عائدًا، لكنها كانت تؤمن بأن القيمة الحقيقية للفن ليست في الإيرادات، بل في الأثر.
ورغم النجاح الفني والعالمي، دفعت ماجدة ثمن اختياراتها، إذ تعرضت لخسائر كبيرة، اضطرتها إلى إغلاق شركتها والتوقف عن الإنتاج لسنوات.
لكنها في المقابل حصدت تقديرًا عالميًا، وشاركت في لجان تحكيم دولية، ومثلت مصر في مهرجانات كبرى، لتصبح واحدة من الوجوه الثقافية والسينمائية التي حملت اسم مصر خارج حدودها.
وفي حياتها العاطفية، حملت ماجدة لقب “عذراء الشاشة”، وكان الدنجوان رشدى أباظة معجبًا بها وتقدم للزواج منها، لكن أسرتها رفضت، فاستجابت لرغبتهم، كما أكدت ابنتها غادة نافع.
وأشارت إلى أن الفنانة الكبيرة كانت تصف رشدى أباظة بأنه شهم وجدع وكريم، وأنه عندما شاركها بطولة فيلم المراهقات وكان من إنتاجها، جمعتهما العديد من المواقف، وقالت غادة ضاحكة: «ماما حكت لى إن مرة عمو رشدى اتأخر عن التصوير، وحلفت إنها هتضربه لما ييجى، ووقفت وراء الباب تنتظره ومعها عصا، وكان كل من بالاستديو يهابونه ويخافون منه، وقالوا لو ده حصل هيضربهم ويكسر الاستوديو، فبلغوه أن ماجدة واقفة ورا الباب وعاوزة تضربه، فدخل فجأة من ورائها وحملها ففوجئت به وظلت تصرخ».
وتابعت الابنة: «ماما كانت بتحبه، وتقدم لها، ولكن أسرتها رفضت، لأنها رأت أن حياته لا تناسب حياتها، وهى سمعت كلام أهلها وبعدها ارتبطت بوالدى، وبعد زواجها قال الفنان رشدى أباظة لو شفته هاكسره».
تزوجت الفنانة ماجدة من الطيار والفنان إيهاب نافع عام 1963، وأنجبت ابنتها الوحيدة غادة، قبل أن يقع الطلاق بينهما، وتكرس الفنانة الكبيرة حياتها لفنها وابنتها.
وأكدت الابنة أن والدتها لم تحب المسرح لأنها لا تميل إلى تكرار الأداء، واختارت السينما لتمنحها كل ما تملك من وقت وجهد ومال.
وعلى المستوى الإنساني، احتفظت ماجدة طوال حياتها وحتى رحيلها بروح الطفلة التي قدمتها على الشاشة، تقول ابنتها غادة نافع لليوم السابع إنها كانت خفيفة الظل، تحب الغناء والضحك، وتستمع لأم كلثوم يوميًا، كما كانت تتابع كل ما يُكتب عنها باهتمام.
ورغم تاريخها الكبير، عاشت سنواتها الأخيرة بهدوء، ولم يكن يتواصل معها إلا عدد محدود من الفنانين، من بينهم نبيلة عبيد ونادية لطفي وسمير صبري.
وقبل رحيلها في 16 يناير 2020، تواصلنا مع الفنانة الكبيرة عبر الهاتف ليأتينا صوتها الرقيق الذي لم يتغير، معبرة عن سعادتها بأن الناس ما زالت تتذكر أعمالها، قائلة:“مبسوطة إن الناس شايفة اللي عملته يستحق، وإني قدمت للفن حاجة كويسة ولسه فاكرينها وبيحبوها”.
ورحلت الجميلة ماجدة بهدوء يشبه حياتها، بعد أن استيقظت في يومها الأخير، وتناولت إفطارها، وتحدثت مع أسرتها، ثم أسلمت الروح دون معاناة.
وبعد رحيلها، تحولت زيارتنا لمنزلها فى ذكرى الأربعين إلى رحلة داخل ذاكرة الفن المصري، كانت صورها ومقتنياتها تملأ المكان، وكأنها ما زالت حاضرة، تراقب تاريخًا شاركت في صناعته.
كانت ابنتها غادة نافع تخطط لتحقيق حلم والدتها بإنشاء متحف يضم مقتنياتها، ويحفظ تاريخها وتاريخ جيل كامل من نجوم الزمن الجميل، في محاولة لصون ذاكرة الفن المصري من النسيان، وناشدت الابنة وزارة الثقافة ومؤسسات الدولة بتخصيص مكان لجمع تراث عمالقة الفن، مشيرة إلى أنها على استعداد لإهداء الدولة نسخة من هذه المقتنيات.
هكذا كانت ماجدة الصباحي، ليست فقط “الدلوعة” التي أحبها الجمهور، بل فنانة جاهدت بفنها، وخاضت معارك من أجل ما تؤمن به، ودافعت عن قضايا وطنها، حتى كادت تدفع حياتها ، ورحلت، لكن ما قدمته لم يرحل، وظل باقياً في ذاكرة الفن، وفي وجدان جمهور لم ينس صوتها، ولا رسالتها.
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة
.jpg)
ذكرى ميلاد ماجدة