صحاب الأرض.. دراما توثق معاناة الفلسطينيين وتكشف تمسكهم بالبقاء على أرضهم

الأحد، 01 مارس 2026 01:12 م
صحاب الأرض.. دراما توثق معاناة الفلسطينيين وتكشف تمسكهم بالبقاء على أرضهم مسلسل صحاب الأرض

0:00 / 0:00
أ ش أ

نجح مسلسل " صحاب الأرض " في جذب شريحة واسعة من المشاهدين، منذ عرض الحلقات الأولي من العمل، الذي يوثق معاناة الشعب الفلسطيني على مدار عامين من العدوان الإسرائيلي.

وسلط العمل الضوء على حجم الدمار الذي خلفه القصف، لذا حرص العديد من المصريين والفلسطينيين والعرب بشكل عام على متابعة المسلسل عن كثب ، كما كشف العمل عن موقف الرافض لمخططات التهجير والداعم لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه في وجه الاحتلال الغاشم .

العمل يتناول جانبا من وقائع الترهيب والتنكيل بالفلسطينيين، وبدا كأنه شوكة في ظهر الاحتلال الإسرائيلي، بعدما نقل بالصوت والصورة ما يحاول العدو طمسه أو تزييفه، فاشتعلت ردود الفعل، وخرجت هجمات ضده عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كان أبرزها من إيلا واوية، المتحدثة باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للإعلام العربي، التي انتقدت العمل علنا، في مشهد عكس حجم القلق الذي أثاره المسلسل.

وفي المقابل، اعتبر المشاهدون الهجوم بمثابة شهادة على تأثير الفن وقدرته على التأثير، معتبرين أن المسلسل نجح بالفعل في خلق حالة من القلق في صفوف الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يحتمل عملا فنيا يفضح جرائمه.

من جانبه، يقول الناقد الفني عرفة محمود الأمين العام لرابطة نقاد وكتاب الفن بنقابة الصحفيين إن مسلسل "صحاب الأرض" هو عمل جاء لتأكيد موقف مصر الثابت تجاه القضية الفلسطينية ومناصرتها ودعمها بكافة أجهزتها، ولأن القوة الناعمة تُعد سلاحًا من ضمن عدة أسلحة تستخدمها الدولة المصرية لتأكيد تلك الرسالة، كان المسلسل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة الدولة في دعم القضية.

وأضاف عرفة محمود، في حديث لوكالة أنباء الشرق الأوسط "أ ش أ"، أن الدولة المصرية بدأت العام الماضي من خلال مسلسل "مليحة"، العام الماضي، والذي كشف تاريخ العدوان الإسرائيلي على فلسطين، يكملها هذا العام من خلال "صحاب الأرض" الذي سلط الضوء على الانتهاكات والعمليات الإجرامية التي قام بها العدو تجاه شعب غزة، من قصفٍ للمستشفيات والمنشآت المدنية، إلى تهجير قسري للشعب الفلسطيني، جاءت أحداث العمل معبرة عن واقع مؤلم ما زال العالم يشاهده. ولم يكن الطرح الدرامي مجرد سرد تقليدي للأحداث، بل جاء أقرب إلى شهادة فنية توثق ما جرى، وتعيد تقديمه في إطار إنساني يضع المشاهد أمام مسؤوليته الأخلاقية تجاه ما يحدث.

كيف تم تقديم العمل دراميًا؟
 

وأشار إلى أن المخرج بيتر ميمي استطاع ببراعة شديدة أن ينقل ما حدث في غزة، خاصة مشاهد الهجوم على المستشفيات والمنشآت الفلسطينية، وتمكن من تقديم عرض موثق لتلك الجرائم باستخدام صور أرشيفية حقيقية أثقل بها مشاهد المسلسل ومنحها مصداقية كبيرة، هذا التوظيف الذكي للمواد التوثيقية لم يكن استعراضًا بصريًا، بل كان أداة لتعزيز الوعي، وتثبيت الرواية العربية في مواجهة محاولات طمس الحقائق أو إعادة صياغتها إعلاميًا.

كذلك جاء اختياره للأبطال موفقًا للغاية، وفق عرفة محمود، سواء إياد نصار الذي أجاد اللهجة الفلسطينية وقدمها بإتقان شديد وكأنه فلسطيني أبًا عن جد، حيث نجح في تجسيد حالة الإنسان الفلسطيني بين الألم والصمود دون افتعال أو مبالغة، كما نقلت منة شلبي بعفوية صادقة مشاعر المصريين تجاه القضية من خلال دورها كطبيبة حالات حرجة تابعة للهلال الأحمر المصري، لتجسد الدور الإنساني الذي قامت به الأطقم الطبية المصرية، الذين لم يتأخروا يومًا عن إنقاذ أرواح أطفال ونساء غزة، وكانوا دائمًا في قلب الحدث.

وحتى في اختياره للممثلين الذين قدموا شخصيات العدو الإسرائيلي، جاءت الاختيارات في أغلبها موفقة بدرجة كبيرة، حيث تم تقديم الشخصيات بواقعية درامية دون تهويل، بما يخدم الصراع ويمنحه بعدًا أكثر تأثيرًا.

وأوضح أنه بالنسبة للمعالجة الدرامية والسيناريو الذي كتبه عمار صبري، فقد جاءت خطوط وبناء العمل متماسكة وتعتمد على الحقائق والأحداث الحقيقية للمجازر التي حدثت بقطاع غزة، وهو ما أعطى العمل ثقلًا وثقة، وحقق من خلاله نجاحًا كبيرًا وردود فعل واسعة منذ عرض الحلقة الأولى. هذا الاعتماد على الوقائع الحقيقية منح المشاهد إحساسًا بأنه أمام عمل يتجاوز حدود الترفيه، ليصبح وثيقة درامية تحفظ الذاكرة وتمنع اختزال المأساة في أرقام عابرة.

وأكد الناقد الفني عرفة محمود أن المسلسل لم يعتمد على الخطابة المباشرة أو الشعارات، بل اقترب من التفاصيل الإنسانية الصغيرة: أم تبحث عن طفلها تحت الركام، طبيب يحاول إنقاذ مصاب بإمكانات محدودة، مسعف يخاطر بحياته للوصول إلى الجرحى. هذه التفاصيل صنعت التأثير الحقيقي، لأنها خاطبت وجدان المشاهد قبل عقله، وأخرجت القضية من إطارها السياسي المجرد إلى بعدها الإنساني العميق.

وأوضح على المستوى الفني، جاء الإيقاع متوازنًا بين مشاهد التوتر واللحظات الإنسانية الهادئة، مما منح العمل تنوعًا دراميًا حافظ على انتباه المشاهد. كما لعبت الموسيقى التصويرية دورًا مهمًا في تعزيز الحالة الشعورية، فجاءت معبرة دون مبالغة، لتدعم الصورة وتكملها دون أن تطغى عليها.

اللافت أيضًا أن العمل أعاد التأكيد على الدور المصري التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، ليس فقط عبر المواقف السياسية، بل من خلال الجهد الإنساني المباشر، وهو ما عكسه المسلسل بصورة طبيعية داخل السياق الدرامي، دون افتعال أو توظيف دعائي مباشر.

ردود الفعل والتأثير
 

وقد أثار المسلسل حالة من الجدل والنقاش خارج الحدود، إذ صدرت ردود فعل وانتقادات عبر وسائل إعلام إسرائيلية في محاولة للتشكيك في الطرح الدرامي، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي أحدثه العمل. ففي عالم تتصارع فيه الروايات، يصبح للفن دور محوري في تثبيت الذاكرة الجماعية، وتقديم سردية تستند إلى الشهادة والواقع.

بدورها، قالت الناقدة والكاتبة المغربية ياسمين العيساوي إن مسلسل "أصحاب الأرض" يجسّد المعنى الحقيقي للدور الذي يجب أن يلعبه الفن حين يكون صوتًا للإنسان وقضيته؛ فهو لم يكتف بسرد الأحداث، بل بترجمة المعنى الحقيقي للوجع والكرامة والصمود في مشاهد مُحكمة تُشبه الحقيقة إلى حدّ يجعل المشاهد يشعر أنه واحدٌ من أهل غزة، يعيش تفاصيلهم، يسمع صرخاتهم، ويرى ما لم تنقله عدسات الأخبار.

وأضافت، في حديث لوكالة انباء الشرق الأوسط، أن القيمة الحقيقية للعمل ظهرت بوضوح حين خرجت شهادات من أشخاص عايشوا الحرب من الداخل، ليؤكدوا أن ما يقدمه المسلسل ليس مجرّد خيال درامي، بل صورة واقعية إلى حدّ الوجع وهذه الشهادة وحدها تُعد أكبر انتصار لأي عمل يطمح لتمثيل المأساة الإنسانية بشرف وصدق.

وأوضحت أنة على المستوى التمثيلي، قدّمت كل من منة شلبي وإياد نصار أداءً استثنائيًا بمقاييس عالمية. منة شلبي تَغوص في أعماق الشخصية حتى يشعر المتلقي أنها لا تمثل بل تعيش الدور وتتنفس ألمه وانكساره وقوته، أما إياد نصار، فحافظ على بصمته الخاصة: حضور طاغٍ، وانفعالات دقيقة، واختيارات ذكية تُثبت مرة أخرى أنه من القلائل الذين يتقنون فن الانتقاء قبل الأداء. كلاهما ممثلان يُدركان أهمية الدور حين يكون أكبر من مجرد دراما… حين يكون شهادة للتاريخ.

وأشارت الناقدة المغربية ياسمين العيساوي إلى أن الإخراج، جاء على مستوى لا يقل عن أعلى الإنتاجات العالمية. حركة الكاميرا، الإضاءة، إدارة الممثلين، تصميم المشاهد، وحتى اختيار اللوكيشن والمجاميع كلها عناصر نُسجت بإتقان يجعلك تنسى أنك تشاهد عملاً دراميًا، بل تعيش في قلب الحدث، بين الركام والدخان ووجوه الناس التي تحمل أثر الليل الطويل الذي لم ينتهِ بعد.

وأكدت أن العمل لا يعتمد على العاطفة وحدها، بل على حرفية في البناء البصري والقصصي؛ يُظهر التفاصيل الصغيرة التي تُصنع منها المأساة: كيس دقيق، منزل مهدّم، طفل يبحث عن لعبة، أم تُحاول الحفاظ على ما تبقّى من حياة. هذه التفاصيل هي التي تصنع الفرق بين عمل يروي، وعمل يبقى.

وأوضحت أن إيصال رسالة إنسانية عبر الفن ليس بالأمر السهل؛ يحتاج إلى صدق، ووعي، واحترام لمعاناة الناس. لكن عندما يتم بدقة واحتراف كما رأيناه في "أصحاب الأرض"، يتحول العمل إلى لوحة إنسانية عظيمة… إنه شهادة، وصوت، وموقف… وعناق صادق لأهل غزة من خلف الشاشة.

أما الناقد الفني محمد فاروق فليفت إلى العمل ظهر في سياق الحرب على غزة، وهذا جعله يتحول من مجرد دراما لـ"شهادة فنية". نادرا ما نجد مسلسلا مصريا يمسك الموضوع بالجرأة هذه ويحط الإنسان الفلسطيني في مركز الحكاية بدون تلطيف كتير.

إياد نصار ومنة شلبي قدما آداء قويا جدًا، خصوصًا في مشاهد الصمت والانفعال المكبوت، الأداء بشكل عام متزن ومقنع، والكيميا بينهم ساعدت في إيصال الجانب الإنساني.

الديكورات والمؤثرات البصرية (القصف، الدمار، النزوح) معمولة بحرفية عالية نسبيًا مقارنة بكتير من الدراما المصرية. المخرج بيتر ميمي عارف يلعب على الإيقاع البصري كويس.

يضيف فاروق: رد الفعل الإسرائيلي الرسمي والهجوم الذي وصل لاتهامات بـ"تزوير التاريخ" و"التحريض"، هذا دليل واضح أن المسلسل ضرب عصب حساس جدًا. يعني نجح في إحراج الرواية الرسمية الإسرائيلية وفتح نقاش عالمي، وده إنجاز كبير بحد ذاته في سياق "القوة الناعمة".

وأوضح أن: "صحاب الأرض" عمل جريء ومؤثر سياسيًا وإنسانيًا، نجح في نقل جزء من الألم الفلسطيني لملايين المشاهدين العرب، وأحرج الرواية الإسرائيلية بشكل واضح.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة