نظرة سريعة إلى العالم المحيط بنا، إلى تقلباته، إلى التغيرات التي تحدث بين يوم وليلة، تجعلنا ندرك أننا عرضة دائما لاحتمالات كثيرة، وأننا مهما حاولنا لن نستطيع أن نتحكم في الأمور بشكل كلي، وأنه مهما خططنا ورتبنا، تبقى هناك قوة أكبر تسوق الأمور إلى حيث تريد، ولن يجعلنا نتقبل ذلك ونرضى به إلا فهمنا لاسم الله "المدبر".
اسم الله المدبر لم يرد بصيغته الاسمية في القرآن الكريم، لكن فعل التدبير ورد في سياق الإسناد إلى الله عز وجل في أكثر من موضع، منها، قوله تعالى: "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ" سورة يونس: 3، قوله تعالى "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ" سورة الرعد: 2، وقوله تعالى، "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ" السجدة: 5، هذه المواضع تثبت وصف التدبير لله تعالى، وهو من الصفات الثابتة قطعًا.
اسم الله المدبر في اللغة، يقرر علماء اللغة أن أصل الكلمة: (د ب ر)، ومعناه: النظر في عواقب الأمور وحسن ترتيبها، وفي "لسان العرب" لابن منظور، "التدبير: النظر في العاقبة، ودبر الأمر أي رتبه وقدر عواقبه"، وفي "مقاييس اللغة" لابن فارس "الدال والباء والراء أصل يدل على مؤخر الشيء، ومنه التدبير: أن ينظر المرء في دبر أمره، أي آخره وعاقبته، إذن، التدبير في اللغة يعني الإحكام، والتقدير، وترتيب الأمور بما يصلحها.
اسم الله المدبر عند المفسرين، اعتمد المفسرون على الآيات التي جاء فيها وصف الفعل، تفسير الطبري، "يدبر الأمر" يصرف الأمور ويقدرها بمشيئته، لا يمانعه أحد ولا يعترض عليه معترض، تفسير ابن كثير، "يدبر الأمر" يحكم أمر خلقه، وينزل مقاديره، ويدبر شؤون مملكته، فهو المتصرف الذي لا خروج لشيء عن إرادته، تفسير البغوي، "يدبر" يقضي ويصرف، ويقدر الأشياء في أوقاتها وأحوالها بما يشاء، تفسير السعدي "يدبر الأمر" أي ينفذ أوامره الكونية والشرعية، ويصرف خلقه بحكمة، ويُجري المقادير على وفق علمه ورحمته، هذه التفسيرات كلها تجمع على أن التدبير صفة ثابتة لله تعالى.
اسم الله المدبر في كتب العقيدة، لم يثبت "المدبر" كاسم من الأسماء الحسنى عند الجمهور، لكن الصفة ثابتة يقينًا، في كتاب "القواعد المثلى" لابن عثيمين، يقرر أن "الأسماء توقيفية، فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الصفات فجاء منها ما ثبت بالفعل مثل: أنه سبحانه يدبر الأمر"، ابن القيم في "بدائع الفوائد" يقرر معنى تدبير الله: "أنه يُجري المقادير على ترتيب محكم، ويصرف العباد بين الرفع والخفض، والعطاء والمنع، وكل ذلك بعلم شامل، ورحمة واسعة."
حين يذكر الإنسان اسم "المدبر" يتذكر أن الأحداث التي أربكته كانت جزءًا من حكمة لم يرها، والقرارات التي ظن أنها ضاعت كانت تساق إلى اتجاه آخر أنفع له، والأبواب التي أغلقت كانت تدبيرًا لا حرمانًا، والمؤمن يرى في اسم "المدبر" معنى الطمأنينة: أن ما يخيفه لا يحدث صدفة، وما يفرحه لم يأت من غير حكمة، وأن ما ضاع منه كان يمكن أن يهلكه لو بقي معه.
وهو اسم يربي في الإنسان السكينة، ويجعله يشعر أن الله حاضر في كل تفاصيل أيامه، وأنه ليس متروكًا لصدف الحياة.