تُعد أحداث عام 1948 واحدة من أكثر المراحل إثارة وخطورة في تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية، حيث ارتبط اسم التنظيم الخاص بسلسلة من الاغتيالات السياسية التي هزّت المشهد المصري، وفتحت الباب أمام جدل استمر لسنوات طويلة حول طبيعة هذا الجهاز ودوره الحقيقي داخل الجماعة.
ورغم تمسك الجماعة بنفي أي صلة مباشرة بتلك العمليات، فإن شهادات عدد من المنشقين، إلى جانب ما ورد في كتابات قيادات سابقة، قدمت روايات مغايرة، كشفت عن وجود جهاز سري يعمل بالتوازي مع الهيكل التنظيمي العلني، ويتولى تنفيذ مهام حساسة بعيدًا عن الأضواء.
بدأت هذه المرحلة باغتيال القاضي أحمد الخازندار في مارس 1948، عقب إصدار أحكام ضد عناصر من الجماعة، ثم تصاعدت الأحداث باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا في ديسمبر من العام نفسه، في واقعة شكلت صدمة كبرى للدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يشير عدد من الشهادات، من بينها ما أورده ثروت الخرباوي في كتابه «سر المعبد»، إلى أن التنظيم الخاص كان المسؤول التنفيذي عن هذه العمليات، وأن القيادات كانت على دراية بها، رغم استمرار الإنكار الرسمي.
ويُوصف هذا التنظيم، وفق تلك الشهادات، بأنه كيان موازٍ داخل الجماعة، يقوم على السرية التامة، ويُكلَّف بتنفيذ ما يُعرف بـ«المهام النوعية»، مع اختيار عناصره وفق معايير صارمة، أبرزها الولاء المطلق والاستعداد لتنفيذ التعليمات دون مناقشة.
من جانبه، يوضح محمود الصباغ، أحد المنتمين سابقًا إلى هذا الجهاز، أن الهدف المعلن من تأسيسه كان حماية الجماعة، لكنه تطور لاحقًا ليصبح أداة للضغط السياسي، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد مجموعة محدودة، بل منظومة متكاملة لها هيكل إداري وآليات عمل مستقلة.
توضح هذه الأحداث كيف استخدمت الجماعة العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها، رغم التظاهر بالعمل الدعوي، ويشير باحثون إلى أن اغتيالات 1948 كانت بمثابة نقطة البداية لمسار طويل من الصراعات السياسية الداخلية والخارجية، والتي سيستمر انعكاسها في سياسات الجماعة لعقود لاحقة، بما في ذلك اعتمادها على السرية والانضباط المطلق.
كما تسلط هذه الأحداث الضوء على أول تناقض بين الخطاب العلني للإخوان والممارسة الفعلية، حيث حافظت الجماعة على صورة سلمية أمام الرأي العام، بينما كان تنظيمها السري ينفذ مهام تتعلق بالسيطرة والتهديد. ومن هنا، يرى العديد من الباحثين أن فهم التاريخ المبكر للجماعة لا يكتمل إلا بالاطلاع على هذه المرحلة التي شهدت دمًا سياسيًا حقيقيًا، لم يلتفت إليه الرأي العام إلا بعد شهادات المنشقين.
فقد شكلت اغتيالات الأربعينيات، وتنظيم الجهاز الخاص بداية لمسار مظلم في تاريخ الجماعة، يكشف الوجه الخفي للتنظيم منذ بداياته، ويطرح أسئلة حول مدى الاتساق بين الخطاب الدعوي والممارسة السياسية، وهو ما سيؤثر لاحقًا على كافة مراحل نشاط الجماعة.