قدم "المعجم الفلسفي" للدكتور جميل صليبا قراءة مركبة لمفهوم "الحقيقة" بوصفها مقصدًا معرفيًا وأخلاقيًا، لا يقتصر على معنى واحد، إذ يعرضها من زوايا لغوية ومنطقية وفلسفية تتدرج من استعمالات الحياة اليومية إلى مباحث الماهية والبرهان.
ويبرز المعجم، في أحد معانيه الأساسية، أن الحقيقة تُفهم بوصفها مطابقة التصور أو الحكم للواقع، أي أن معيارها الأول هو علاقة الفكر بما هو ثابت خارج الذهن.
كما يوسع الدلالة لتشمل "الحقيقة" بمعنى الشيء الثابت قطعًا ويقينًا في الاستعمال الشائع، وتظهر في تعبيرات مثل "الحقيقة التاريخية".
وعلى المستوى الفلسفي الأدق، يقرر المعجم معنى محوريًا: "حقيقة الشيء ما به الشيء هو هو"، أي ماهية الشيء/ذاته، ويضرب مثالًا تقليديًا: "الحيوان الناطق" حقيقة الإنسان.
وفي باب التمييزات المنطقية، يقسم المعجم الحقائق إلى:
حقيقة صورية: "اتفاق العقل مع نفسه بلا تناقض" (موضوع المنطق الصوري).
حقيقة مادية: "اتفاق العقل مع الواقع" ماديًا كان أو نفسيًا (وتندرج تحتها حقائق العلوم التجريبية).
حقيقة واقعية: "الوجود ذهنيًا كان أو عينيًا"، أي إثبات وجود مستقل للعالم الخارجي عن إدراكنا.
ويمتد العرض إلى تصورات أخرى: فيشير إلى "الحقائق الأبدية" باعتبارها مبادئ/قوانين مطلقة، ويورد رأيًا منسوبًا إلى ديكارت بأن هذه الحقائق "تابعة لإرادة الله".
كما يذكر تعريفًا براجماتيًا للحقيقة بوصفها "الفكرة الناجحة/النافعة" أو الفرضية التي "تُحققها التجربة".
ما الفرق الدقيق بين "الحق" و"الحقيقة" فلسفيًا؟
وفق عرض صليبا:
الحقيقة تُستخدم أولًا بوصفها مطابقة الحكم/التصور للواقع، أو بوصفها ماهية الشيء (ما به الشيء هو هو).
بينما الحق يقدَّم بوصفه مرتبطًا بـثبات الواقع وبفكرة مطابقة الواقع للحكم في مقابل "الصدق" الذي هو مطابقة الحكم للواقع.
وبصياغة عملية: الحقيقة تُنسَب كثيرًا إلى الحكم والمعرفة (أو إلى ماهية الشيء)، والحق يُنسَب كثيرًا إلى الواقع الثابت أو إلى "الواقع حين يَصدق عليه الحكم".
كيف عرّف المعجم معايير التحقق من الحقيقة؟
يعرض المعجم أكثر من معيار/طريق للتحقق، أبرزها:
البداهة (على طريقة ديكارت): عدم قبول شيء على أنه حق إلا إذا تبين "بالبداهة" أنه كذلك.
عدم التناقض: معيار الحقيقة الصورية (اتفاق العقل مع نفسه بلا تناقض).
المطابقة للواقع: معيار الحقيقة المادية (اتفاق العقل مع الواقع).
النفع/النجاح التجريبي (البراجماتية): الحقيقة هي الفكرة النافعة/الناجحة التي تصدّقها التجربة.
الإرجاع إلى مبادئ أولى: في سياق الحديث عن الحقائق الضرورية والرجوع إلى “الحقائق الأولى/المبادئ العقلية.
ما أنواع الحقيقة التي صنفها جميل صليبا؟
كما وردت في مدخل "الحقيقة" بالمعجم:
الحقيقة الصورية.
الحقيقة المادية.
الحقيقة الواقعية (الوجود ذهنيًا أو عينيًا).
الحقائق الأبدية.
الحقيقة عند البراجماتيين (الناجح/النافع/المتحقق بالتجربة).
وإشارة إلى الحقيقة التاريخية ضمن الاستعمالات التي تربط الحقيقة بالمطابقة والثبات.