حازم حسين

زئير وغضب ووعود مُرقّمة

الأحد، 01 مارس 2026 02:00 م


يُلدَغ المؤمن أحيانًا من الجُحر مرّتين؛ إذا ما قدّم إيمانه بذاته المتضخمة، على معرفته بالبرارى والثعابين.. والأخيرة مهما بلغ حجمها؛ فإنها تتحرّك صوب الدفء، وتستعين بغيرها لتوليد حرارتها.


لم تُفاجئ الضربة أحدًا إلا إيران. والقصد أن الشواهد كلها كانت توشك أن تُحدد اليوم والساعة، فيما الضحيّة ظلّت ساكنة بلا حراك؛ كأنها مريض ميؤوس منه، أو جثة ميّتة إكلينيكيًّا، على أجهزة تتعلّق بأمل خافت، ولا تصنع الحياة.


عادت الذئاب للإغارة على الفريسة، بعد ثمانية أشهر أو يزيد قليلاً من آخر جولة. والخريطة كما كانت قَبلاً، والعَلقة بحذافيرها، ما زادت بصقة ولا نقُصت صفعة.


فجّر "طوفان السنوار" صندوق باندورا بدلَ أن يفتحه بحكمة. سخر الساخرون عندما قال الصهاينة إنه نسختهم من 11 سبتمبر، واليوم يتأكد أنه أسوأ من تركيع البُرجين، وإسقاط بلد مقابل كل برج.


أغارت الطائرات المُوشّاة بنجمة داود، وتبعتها أو تزامنت معها صواريخ العمّ سام بخطوطها الحمراء. انسدّت نافذة الدبلوماسية فجأة؛ وليس أول انسداد لها على كل حال.


فى السنة الماضية، وجّه ترامب خطابا للمرشد الإيرانى يُمهله شهرين، تلته سلسلة لقاءات برعاية عُمان، تنقّلت بين مسقط وروما، وفى اليوم الحادى والستين، قبل ساعات من اللقاء السادس، وقعت الواقعة.


باتت تُعرَف باسم حرب الاثنى عشر يومًا، يونيو 2025، وكانت خاتمتها بدخول القاذفات الثقيلة، بقنابل الأعماق الخارقة للمواقع النووية الحصينة، مشمولة بهامش تردّ فيه إيران شكلاً، وفى المضمون تبتلع كأس المُرّ بدلاً من كؤوس الجمر.


الجديد اليوم؛ أن واشنطن لم تتلكأ، ولا أرسلت تل أبيب بمفردها، على أن تلعب دور الأخ الكبر وضابط الإيقاع لاحقا. دقّت معها الناقوس ودخلت من بوّابة البدايات، ولا يُعرَف على أىّ وجه قد تكون المخارج والنهايات.


الوسيط العُمانى غاضب؛ فالتصعيد لم يحترم مسار التفاوض. دول المنطقة سعت لإبعاد شبح الحرب؛ لكنها فوجئت بالانقضاض الصهيو-أمريكى، ولم تُقصّر إيران فى تيئيسها؛ فأطلقت صواريخها على الجوار؛ كمن يُغيظ عدوّه بإدماء أقاربه.


سعى نتنياهو كثيرًا لأجل تلك اللحظة. ذهب للبيت الأبيض وعاد سبع مرات، آخرها قبل أسبوعين. واستيقظ أمس فرحًا بالضوء الأخضر، شكر ترامب، ومنح عمليته اسمًا شعبويًّا يُدغدغ المشاعر، وشدّد على أنه ماضٍ فى إنهاء التهديد الوجودى.


أحرز كلّ ما أراد بالحرف والفاصلة. ولا دليل أبلغ من تعليق خصمه العتيد، زعيم المعارضة يائير لابيد؛ إذ قال بعد دقائق: لا ائتلافات هنا وهناك، صف واحد، وشعب وجيش على ذات الموجة. يُعاد بناء الإجماع، ويربح عجوز اليمين فرصة الذهاب للانتخاب تحت غبار الاحتراب.


بدلا من أن يُفسّر ترامب لجمهوره مبعث الانقلاب على الدبلوماسية، وقلب طاولة التفاوض رأسا على عقب، عاد يحسب ديون الماضى العالقة، وبدا فى كلمته المصوّرة كأنه يُؤَصّل لصدامٍ مبدئىٍّ يتخطّى موضوع البرنامج النووى، ويحقن سمومه الزعاف فى قلب النظام ورأسه مباشرة.


لا مُبرّر لاستعادة قصة رهائن السفارة؛ إلا الجزم بالعداوة البنيوية اللصيقة بالثورة الإسلامية وحُكم الملالى. ثكنة المارينز فى بيروت 1983، والمدمّرة "يو إس إس كول" فى عدن 2000، مع إشارات عامّة لخسائر فى العراق والمنطقة والممرّات البحرية. يضع بلدًا إزاء بلد، رئيسا لمرشد، وبقية الخلافات مُجرّد تفاصيل وذرائع.


ليس شرطًا أن يسقط النظام فى الضربة الحالية، وليس سهلاً بالمناسبة، وأصعب ما فيه أنه لا بديل مؤقتا، ولا أُفق سياسيا؛ إنما الرسالة الضمنية أنه لا سبيل للتعايش أيضًا، ولعلّها مسألة وقت وتسويات مُتدرّجة.


لأسماء العمليات دلالة. من يونيو لفبراير، تحوّلت إسرائيل من "الأسد الصاعد" إلى "زئير الأسد"، وأمريكا من "مطرقة منتصف الليل" لـ"ملحمة الغضب"، وظلّت إيران على "الوعد الصادق" مع رقم جديد، وكما بهتت نتائج ثلاث دفعات؛ فلن يختلف مآل الرابعة.


يُصعّد الطرف الأقوى، وتبدو دراما الضعيف هشّةً مثله وستاتيكية تمامًا؛ رغم أنه أحوج ما يكون للابتكار وكسر الرتابة.
الصورة غائمة، والاحتمالات كلها متساوية، ومن المبكّر الجزم بالنتائج؛ غير أن إيران أصلب من أن تُعصَر، وليست ليّنة بما يكفى لتتجنّب الكَسر.
خصومها مخابيل كصقورها، وقد صارت إزاء خيارات تقود كلها لنهاية واحدة؛ بفارق الكلفة وإيقاع السقوط، والرابحين منه بالداخل والخارج، وأخيرًا هويّة الباكين على الأطلال.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة